وطن النجوم

 أرض المحنّة لم تعُد آمنة، ولا صالحة للسُكنى. ما يقارب المليون أو أكثر من المعدنين العشوائيين  ينتشرون في الشمال القَصي. حوادث قتل وجرائم وسرقات لم تكن مألوفة تطل برأسها في قرى آمنة لم يعكر صفوها إلا كتشنر، ومن قبله جهادية التعايشي في غزوتهم البائسة نحو توشكي.
الحفير الذي وهَبَنَا زعيمنا محمد إبراهيم نقد، وصديقنا فتحي شيلا، وفاطمة وأخوها صلاح أحمد ابراهيم، ومحجوب عثمان، وعبد الكريم ميرغني، والاقتصادي الضليع عبد الوهاب عثمان، و صاحب الذوق السلفي محمد عبد الكريم، وحتى سبدرات الذي انضوى تحت الجُبَّة، ومافي الجبّة إلا الله! 
هل لا زال أهل الله حضوراً في حوليات وحضرات الأدراسة؟ 
بلادٌ كان رصيدها الأمن والأمان وجلسة الناس الحنان. الدمر القديم يحتشد بمصائب الزمان. تلوث بيئي. كوليرا في المشافي وفي القعب، هذا غير تجريف التربة وسرقة الآثار، وتلوث السيانيد والزئبق. سرقات وتسوُّر للمنازل واغتصابات، مثل هذا ما كان يُرى في تلك النواحي، إلا في الأفلام.
 حفير مشو، على سبيل المثال، لم يعد آمناً، الحبيبة ما عادت تنسج منديل الحرير لحبيب بعيد. ضاعت مع هباء الأيام غنائية صديق أحمد وعبد الله محمد خير للبوابير التي كانت تمخر عرض النيل جيئةً وذهاباً: (يا ريت لو الوابور يمد، ويغشى السليم لو بالعمِد).. ما كدنا نفرغ من (كِضب الرادي) حول تجييش المتحركات، حتى ظهرت ذات اللحى في التلفزيونات تتحدث عن تنمية رسالية.. ما كدنا نفرغ من استهبال الممثلين، حتى بلغتنا كارثة التعدين، وبيع الأراضي في التروس العليا والدنيا، بصورة تخالف تماماً أعراف النوبيين في التمسك بالأرض! 
لا تكاد تجد أرضاً  في الميري تتبع لأهل المنطقة، أما الحرائق -حرائق النخيل- فتلك مسخرة تستهدف نجوع الناس من أوطانهم.. تَقَاة العيش والحوانيت ذات الباب (المُتاقَى) لم تعد كذلك.
 بيوت المغتربين، التي يدّخرون فيها حصاد الغربة، كانت محروسة بالجِّد والعم والخال.. تلك البيوت أغلبها تعرض للسرقة، وكذلك بقالات العهد الجديد. جحافلَ قادمينَ سَرَقت ما هو مدخور للأيام العصيبة، وإذا أردت التبليغ عن حادثة سرقة، تفتح بلاغاً، فتضطر إلى استئجار عربة، تدفع للمُستكين حتى يتفضّل عليك بإجراءات البلاغ،، البلاغ الذي غالباً ما يُحفظ في الأضابير.
من سقدان إلى مشكيلة إلى كوية وسروج، كانت القرى تنام مطمئنة تحت حراسة اقجنندي مليك الزمان، الآن أصبحت تحت حراسة طير الرّهَو!
 حيازات الأراضي تباع دون ضوابط. ماء النيل والمياه الجوفية يتسرب إليها الكيماوي الزفِر المسرطِن. أناس من خارج الولاية يستأجرون الأراضي لزراعة طماطم صيفي يبدو نضيراً يانعاً من أثر المبيدات، فهل تراقب السلطات الصحية ذاك المنتوج وهو يتسلل إلى الأسواق؟
لا أعتقد. فتلك تراكيب لا خطر لها على النظام، لكن تأثيرها تغلغل في البيئة فشهدت بعض القُرى ميلاد أجِنّة مشوهة للحيوان.
 لقد وصل الانهيار في وطن النجوم، حد أن تخطف الخطاطيف الموبايل من خشمك وأنت تتحدث، مثلما تسرق الإجراءات التنظيمية عذب الكلام..
(بلدْ تِرْتِي كِنْجِي)!
لا تعليق!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1