الرئيسية / الأخبار / مكي علي إدريس: لو لم يكن وردى شاعراً مجيداً لما صار فناناً عظيماً

مكي علي إدريس: لو لم يكن وردى شاعراً مجيداً لما صار فناناً عظيماً

نبوكين – بركات بشير
أفاد الفنان مكي علي إدريس بأنه يعتبر الفنان الراحل محمد وردي أستاذه الذي ترك بصمات واضحة على مشواره الفني، بل كان سبباً في دراسته معهد الموسيقى والمسرح والتخصص في الفن والفلكلور النوبي، وأضاف الأستاذ مكي في حوار أجرته معه نبوكين ضمن ملف الذكرى الخامسة لرحيل الفنان محمد وردي الذي تنشره الصحيفة، أنا واحد من تلاميذ الراحل العظيم محمد وردي اسكنه الله فسيح جناته، وشهادتي فيه قد تكون مجروحة، لولا قبس من بحث علمي حول مسيرة الفنان وردي، عاهدت نفسي على كتابته بموضوعية وحيادية، ليكون مرجعاً مهماً  للباحثين في التراث الفني والموسيقي النوبية.
وأشار الأستاذ مكي إلى أنه لابد عند الحديث عن الراحل محمد وردي استصحاب البيئة التي شكلت قيمة وردي الفنية، وهي بيئة شمال السودان، الإقليم النوبي الذي  يعتبر نهر النيل شريان أساسي فيها، تتمحور حوله كل تفاصيل الحياة، من أهازيج وأنشطة يومية مرتبطة به.
محمد وردي نشأ في منطقة السكوت جنوب وادي حلفا،  ولد عام 1932
وعاصر عدد من الشخصيات المتميزة، في عدد من المجالات وفي مقدمتهم الراحل البروفسور محمد إبراهيم ابوسليم، الذي عاصره في مدرسة عبري، وكان واضحاً من بواكير حياة وردي أنه شخص متميز ومستقل بذاته،  كنتاج طبيعي لفقد الوالدين في سن مبكرة، إذ عاش اليتم  منذ صغره، ومنحه ذلك نوع من الاستقلالية في الرأي والشجاعة في اتخاذ القرارات، ويتضح هذا في مشوار محمد وردي من صواردة إلى مدرسة حلفا الأهلية ثم عطبرة وشندي، ثم سفره للقاهرة لدراسة الموسيقى في الأزهر ورفض جده فكرة دراسته للموسيقى،  واضطر للعودة إلى صواردة، إذ عمل فيها معلماً بالصفوف الأولية.
 هذه الرحلة الطويلة تدل على شخصية محمد وردي  المليئة بالإرادة، وتؤكد أنه من النوع الذي يسعى لتحقيق هدفه مهما كانت العوائق ويقاتل من أجل ذلك.
يضيف الأستاذ مكي قائلا : بعد ما أصبح وردي معلماً في صواردة سنحت له فرصة للسفر إلى عطبرة لحضور زواج احد أقرباء الوزير في ذلك الوقت محمد نور الدين، وأتيحت له الفرصة للغناء في حفل الزواج فاستمع له محمد نور الدين وأعجب بصوته، وأفاده أن بإمكانه الحضور للخرطوم لتقديم نفسه، وتبنى أن يجد له فرصة تدريس في الخرطوم، إذ كانت لمحمد نور الدين علاقة بالتربية والتعليم، فكانت بداية رحلته إلى الخرطوم.
 محمد وردي من أسرة  فنية، فوالدته بتول كانت مادحة في صواردة، وارجع كثيرون من الذين عاصروا والدته، صوت وردي إلى انه امتداد لصوت والدته بتول، كمان أن خيلانه كانوا من عازفي الطمبور المهرة، وبينهم الشعراء والمادحين والمطربين.
 يضيف مكي بأن وردي عاش حياة المزارع بكل ما تتطلبه المهنة من واجبات، وكانت علاقته حميمة بالنيل، إذ ولد في حي موقه بجزيرة واوسي في صواردة، وتشرب البيئة  بكل مفرداتها وعاداتها وتقاليدها، مما ساعده في  تكوين ذخيرة لغوية كبيرة، فكان شاعراً مجيداً ظهرت في قصائده النوبية، ومدلولات الكلمات التي استخدمها في شعره، وأظهرت قدراته الهائلة على تصوير البيئة بكلمات معبره ونظم شعر نوبي متفرد.
ويمكنني أن أقول بكل ثقة لو لم يكن محمد وردي شاعراً مجيداً لما كان فناناً عظيماً، خصوصاً انه في تلك الفترة كان الفنان شاعراً وملحناً ومؤدياً ، ومحمد وردي امتلك كل هذه الأشياء في وقت مبكر، ونبوغه هذا حرك قرون استشعار عدد من الناس حوله، وفي مقدمتهم مدير المدرسة الابتدائية في عبري ربما كان اسمه النحاس، عندما شاهد محمد وردي يترنم ويعزف الطمبور، قال أن هذا الشاب سيكون له شأن بحسب إفادة المرحوم  محمد  حسن صابونه رحمه الله .
لم يكن طريق محمد وردي للإذاعة السودانية سهلاً، وتحدث وردي كثيراً عن تلك المعاناة، وعندما فكر في ذلك وسأل إبراهيم عوض عن طريق الإذاعة، أفاده بان ذلك طريق طويل وصعب.
هنالك أربعة عوامل يجب أن تتوفر حتى يكون الإنسان شاعراً مجيداً، وفي مقدمتها الدافع بجانب الموهبة الفطرية التي تمكنه من نظم الشعر، إضافة إلى تطوير الموهبة عبر الاستماع الكثير والاستفادة من تجارب الآخرين، إلى جانب اللغة والمفردات وذخيرة جيدة من الكلمات، وأخيرا التفاعل مع الجمهور، وكل ذلك توفرت في وردي كفنان مجيد، تمكن من الوصول إلى الإذاعة في فترة وجيزة، والى قلوب الشعب السوداني.
وأضاف مكي بأن وردي عندما حضر للإذاعة للتسجيل عام 1957، كان يرغب في تسجيل أربعة أغاني نوبية ، ومنها انطلق لإنتاج أغاني باللغة العربية، بعد أن قدم له عدد من الشعراء قصائد قام بتلحينها وموسقتها ومن ثم غنائها، ما يعني أن أساس وردي  مبني علي الموسيقى والألحان النوبية، وهي من جعلته مؤهلا لغناء كل ألوان الموسيقى، علما بان أغنياته النوبية هي من قدمته للجماهير أيضاً في شندي وعطبرة، إضافة إلى ترديده بعض أغنيات إبراهيم عوض باللغة العربية.
تفرغ وردي عام 1959 للفن والموسيقى وترك التربية والتعليم وكان ذلك نادراً،  إذ أن التدريس كانت وظيفة محترمة، ولم يكن من السهل تركها.
أما بخصوص علاقته الفنية بالراحل الفنان محمد وردي، أفاد مكي بان محمد وردي دعمه منذ 1967م، عندما التقيته لأول مرة وأنا في مدرسة عبري الوسطى، إذ حضر إلى عبري في ذلك الوقت برفقة ابوعركي البخيت وعلي إبراهيم اللحو لإحياء حفلة في عبري، وشهد في المدرسة عرض كنا قد تعودنا على تقديمه أنا وخيري احمد خيري شقيق الفنان محمود احمد خيري من ارض الحجر والأستاذ محمد محمود من عمارة، إذ كنا نعزف مقاطع موسيقية لأغنيات الحقيبة بصفافير مصنوعة من الحديد، وعندما  نزلت من المسرح قال لي ممتاز وجيد اهتمامكم بحاجات ذي دي، وكلف من بعد ذلك رفيقه عبدالعزيز عصفور بمتابعتي حتى دخولي كلية الموسيقى  والمسرح، ونصحني الاهتمام بالفلكلور النوبي، فهو يعتبر أستاذي وموجهي.
 بعد التخرج فكرت أن اسقط كل ما درسته في المعهد على الإقليم النوبي، واخذ محمد وردي نموذجا للموسيقى والفن النوبي، وبالفعل بدأت في انجاز الكتاب الذي عنونته بمحمد وردي والتراث الموسيقي النوبية، أتناول فيه سيرة الراحل محمد وردي ودراسة مدرسته الموسيقية وأبشركم بأن الكتاب سيتم نشره خلال الفترة القادمة.
أخيرا اعتقد أن ما فعله محمد وردي في الغناء النوبي قفزة كبيرة، وهو أكثر من أفاد الفن النوبي بنقله من الإقليم النوبي إلى السودان والعالم، فقد استصحب الفن النوبي في جميع أعماله، وإجادته وتعمقه في الغناء النوبي، كان سببا أساسيا في ما حققه محمد وردي في الموسيقي السودانية بشكل عام، فمثلا أغاني وردي الأولى مثل "ياطير" ويا سلام منك والليلة يا سمرا، تعتمد بشكل أساسي في ألحانها وموسيقاها على التراث الموسيقى النوبي، واذكر أن الشاعر الراحل طارق الوكيل في مهرجان وردي الوطن في الرياض، كان قد قدم دراسة تؤكد اعتماد أكثر من 9 أغاني عربية لمحمد وردي على أغنياته النوبية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1