الرئيسية / المقالات والتحليلات / مع حليم صبار فى رحلة صعود الحلم

مع حليم صبار فى رحلة صعود الحلم

حلقات فى : تذكُر صبّار وضرورة التداعى نحو مشروعه للاحياء (1-3)

غادرنا رمز معرفي بارز فانغرز في الفؤاد سهم الحزن لفقده الجلل. كان عبد الحليم صبار يثبت اقدامه دائماً خدمة نحو امته ..وبليغاً في إثبات التزامه نحوها. ولو كانت عزائم الرجال تورث لطلبنا تقسيم عزيمته بالقسطاس على أولادنا وبناتنا. ولو كنا فراعين كأسلافنا نخلد عظماءنا بالتماثيل لنصبنا له تمثالاً عملاقاً مكسواً بالذهب فوق ربوة تطل على النيل. كان حياً كما الغمام يلقى أحبابه بعبارات موحية مثل (يويونتود أو حبيبتودنى) ثم يتدفق الأنس والاستطراد الدسم  وسرعان ما يتلقفك لأجواء النقاش العميق الذى يغطى الجوانب كافة.  ياسرك  بلطفه ورقته وإنسانيته ثم يحتويك فى طوفان حكى يتدفق كشلال  سمنة ..يسرد حكاوي الطفولة فى اشكيت، ومتاعب التنقل بين أرصفة الموانئ والمطارات طلبا للعلم.

حكى لى ذات مرة عن أحد زملاء الدراسة فى المرحلة الأولية ممن جاء به ذووه من مصر للتعلم فى حلفا، كان بالإضافة للهجته القاهرية سفروتاً يتسم بالفهلوة  واللعب بالبيضة والحجر، ظناً منه أنهم أى القرويين فى غاية السذاجة. ومن فهلوته أنه كان يقول لهم إن سعاد حسنى وقعت فى غرام شقيقه الأكبر، إلا أن الأسرة  رفضت أن يرى هذا الزواج النور، ثم أنه كان يعايرهم "بكيس" مليئ بالقروش والملاليم يحمله مدعياً أنه جمعها عن طريق المغناطيس المربوط بسلك لا يفارق يده. هكذا يستغرق صبار فى نوبة ضحك وهو يردد : لم نكن ندرى أن المغناطيس لا يجذب النحاس إلا بعد تقدم العمر!!

الذين يعرفون صبار عن قرب يدركون أن التمرد الذى اشتهر به نبت فى تربة حلفا أولاً ثم تمدد جنوباً، وكنت اغيظه  بالقول بأن المحلية غذت تمردك وصقلته لأننى حينذاك كنت أجهل الظروف التى احاطت بمقاومة تهجير أهالى حلفا بسبب انشاء السد العالى.

وأذكر إننى التقيت به لأول مرة – أبان عودته من بورتسودان – بتنسيق من شقيقته نادية..ونادية هى الأخرى قطعة من أخيها بخاصة جنوحها للصرامة والانضباط فى العمل العام ، بالذات فى صفوف رابطة ترهاقا للطلاب الدارسين فى الجامعات المصرية من أبناء حلفا السكوت المحس التى زاملتها فيها حيث رأست لجنتها التنفيذية.

وجدت صبار فى ذلك اليوم لا يتطرق لفصله تعسفياً، وعوضاً عن ذلك يتسلطن عبر محاضرة دسمة ألقاها علي عن أثر الثقافة الإغريقية على النوبة المسيحية وكانت المرة الأولى التى أعرف فيها أن ( كيراقى ) هو يوم الأحد عند الاغاريق. ناهيك عن أسماء أماكن عديدة عندنا تجد اصلاً لها فى لغتهم..رصدها هو.. كان صبار يسترسل فى الكلام فى خشوع راهب متبتل وكأنه يقرأ نصا مقدسا عند يدى أمون، يكاد يذوب فى الكلام وهو يوزع المعرفة مجاناً. قلت لنفسى كم من النوبيين  درسوا مثله فى جامعات اليونان

وعادوا دون أن يشغلوا أنفسهم بأمور التلاقح الثقافى، لا سيما وأن لغتهم مثلها مثل القبطية كانت تكتب بالحرف الاغريقى لسنوات عدة؟؟

وكم من طبيب استغرقه جمع المال بدل الغوص بدأب لساعات فى بُطُون الكتب كما كان يفعل صبار. انكب  فقيدنا العزيز لفترة طويلة لدراسة وتحليل كتاب عون الشريف قاسم الموسوم بقاموس العامية فى السودان وفنده صفحة صفحة.

وكنت  اثناء انغماسه فى هذا المشروع  ًقد طلبت منه إبلاغي عند الفراغ منه.

وهالنى مجهوده الضخم حيث لم يجد لسانى تعليقاً مناسباً غير القول: نشكر الترابى والبشير على فصلك من وزارة الصحة !!

من يقلب صفحات كتاب صبار بغرض الدراسة  والبحث سيجد لا محالة صورة أسد حقيقى فى شكل إنسان، وبمعنى آخر فإن الاكليشيه الثابت الذى كان يردده صبار ( لا يخون النوبى إلا النوبى )  يعبر عن اوجاع حقيقية يشعر بها اصحاب الضمير الحى الذين يواجهون  اليوم التآمر المدعوم بايدى خونة  من بنى جلدتنا ، وتلك حقيقة تاريخية صارت عند صبار بنداً فى "المنافيستو" الذى عمل عليه.  وقد كنت أبدى بعض الامتعاض عندما يزم صبار شفتيه

إذا ما ورد على لساننا اسم شخص نريد الاستفادة منه فى العمل العام، حتى إذا ما خضنا معه تجربة عملية، وجاءت الصدمات تتوالى كان يردد فى ثقة: قلت لكم هؤلاء خونة !!!. وكنت أحياناً اسأله إن كان متفرغاً لتجميع بروفايلات خلق الله وتصنيفها لأنه ببساطة كان جاهزاً لمدك بأسماء الصالحين للانجذاب معهم والطالحين لتجنبهم.

كان قبل الذهاب لاى اجتماع يقول لنا فى ثقة أنه يعرف من سيلبون الدعوة بالاسم فى حين سيتخاذل كثيرون بالفعل، وكان الاستواء على الجادة الذي ألتزم به، يقف على رأس منظومة القيم التى سارت عليه حياة وكفاح هذا الثورجى الكبير. يمكن لصبار أن يجاملك لأبعد حد فى أى شى باستثناء العمل العام. يصنع فكرته على تودة  وينميها بدأب ويحدد أدواته بصرامة ثم يطلق العنان لشراعه غير عابى بالعراقيل.

محمد يوسف وردى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1