الرئيسية / المقالات والتحليلات / محمد صلاح يكتب : أبطال خارج دفاتر التاريخ

محمد صلاح يكتب : أبطال خارج دفاتر التاريخ

شهد الأسبوع المنصرم أروع إنتصار للأمل على اليأس .. الحب على الكره .. فقد تجلت كل معاني التفاني والصبر والبطوله والإيمان بعدالة قضية شعب السودان في مشواره الطويل ضد نظام الجبهه الإسلامية . لقد علمني شاب عشريني دروس خلف الزنازين وها هو يواصل ضرب الأمثال في تجرد وصدق بعيداً عن كل الأضواء وقريباً من كمال الصدق و جسد  إنتصار الحياه على الموت.
 

إلتقيته للمرة الأولى بزنزانة في الطابق الثاني لعمارة موقف شندي (التلاجات) في يونيو 2014 . لا أتذكر اليوم تحديداً فالأيام هناك كانت متشابهة. قبلها ولأيام كنت عند نزولي للتحقيق في أي وقت خلال اليوم في الممر أسمع أنين مجموعة حولي من وقع السياط بينما يتبادل مجموعة من الجلادين من أفراد الأمن الضحكات وهم يطلقون الإساءات العنصرية البغيضة، منها علمت أن ضحيتهم هذه المره مجموعة من أبناء إقليم دارفور. عند دخوله علينا في الزنزانة ( شخصي وتاج السر جعفر) بدا متحفظاً في البداية حتى تعرفنا على بعضنا و عرف أن سبب إيداعنا في الزنزانة كان إعتراضاً علي قتل الشهيد علي أبكر بالرصاص داخل حرم الجامعة وإشتراكنا في مناهضة النظام. عندها تبدد التحفظ ولم تفارقه الإبتسامة بعدها حتى في أحلك الظروف وأصعب الأوقات بل رغم علمه أن المصير مجهول كان دائم التفاؤل ويضحك على السلطة بانه منتصر بتكبيده اياها دفع تكاليف إقامته في السجن .

عبدالله جبارة
 

سرد لنا قصته وكيفية القبض عليه. ذكر لنا أنه تم القبض عليه في آخر مهمة عسكرية له و كان يفترض أن يحضر زواجه بعدها بأقل من أسبوع ولكن أوصله طريقه في البحث عن العدالة والحرية للسجن ليكون ضمن مجموعة تعرضت لكمين في فبراير2014م بمنطقة شرق جبل مره. عندما هاجمتهم قوات الدعم السريع كان هو أول المصابين بطلق ناري إخترق الجنب الأيمن وفقد هو ومن برفقته عربة الدفع الرباعي مما أجبر إثنين من رفاقه أن يحملوه وسط وابل طلقات الرصاص القادمة من إتجاهات مختلفة . أصروا أن يحملوه وأجبرهم بإلحاحه المنطقي أن يواصلو الإنسحاب بدونه فكان منطقه أقوى 

 "أنا ميت ميت أحسن إنتو تمشو تواصلو الطريق بدل نموت كلنا.." هكذا أخبرهم

فقد الوعي بعدها ولم يتذكر شئ إلا عند قدوم عدد من عساكر الدعم السريع صباحاً يتفقدون أرض المعركة وعند مرورهم به وسماعه لأصواتهم بدأ يتحرك في الأرض وعندها قال أحدهم: "ده فيه باقي روح تمو تمو …"

وقبل إطلاق الرصاص أوقفهم من هو أعلى رتبة (ضابط صف على الأرجح) 

"القايد قال داير البتلقوهو حي .." 

كانت التوجيهات أن يحصلوا على عدد من الأسرى، ليس حفاظاً على حقهم في الحياه أو إلتزاماً بالمواثيق والمعاهدات الدولية، فمن يستخدم براميل الموت التي تطلقها طائرات الأنتنوف آناء الليل وأطراف النهار لتدمير القرى الآمنه لا يكون هذا دافعه، بل لأغراض أمنية ولإستخدام الأسرى كأداة ضغط في عمليات التفاوض. دون عرضه على طبيب فقط تم تنظيف الجرح بمياه الدرب وبعدها تم تحويله ومجموعة من 13 أسير الى سجن نيالا ولفتره حتى 18 مايو 2014 .
 

على الضفة الأخرى كانت تبدأ ملامح قصه جديدة فقد وصل الخبر كما الصاعقة على أسرته في مليط وجعلهم بين مصدق ومكذب يطرقون جميع الأبواب لمعرفة مصير إبنهم وهو ما قاد إبن خالته (ماهر) من الخروج لمقابلة مجموعة من قوات حركة تحرير السودان بمنطقة دونكي البعاشيم قبل معركة مارس الشهيرة حيث أكدوا له أن إبنهم عبدالله جباره قد إستشهد في أرض المعركة وأبلغ بعدها الأسرة بتأكيد الخبر ليتم العزاء . بعدها وبينما كان يحاول ماهر الرجوع للقرية وجدته مجموعة عسكرية تابعة للنظام ووقع هو الآخر في الأسر متهماً بالعمل مع الحركات المسلحة وبشهادة كل من قابلتهم كان ماهر هو أكثر الأسرى الذين نالوا نصيب من التعذيب وبوحشية لإنتزاع إعتراف منه ورفضت المليشيات الحكومية تصديق أن سبب تواجده هو التأكد من وفاة قريبه، فقرروا تحويله الى السجن في الفاشر .


كانت سجون الفاشر تضع ماهر أسير تهمته (البحث عن جثمان شهيد قابع في الحقيقة بسجن نيالا). إن المسافة بين ماهر و عبد الله جبارة  تحكي عن عمق الأزمة الوطنية . بعد إنقضاء فترة أكثر من شهرين أقلت الأسرى طائرة خاصة من نيالا الى الفاشر وأضيف إليهم أسرى الفاشر لينتقل ماهر وعبدالله الى الخرطوم بنفس الطائرة وتم نقلهم الى المباني التابعة لإدارة المعتقلات بالقرب من موقف شندي (الثلاجات) .

 
كان عدد من  الأسرى مصابين في المعارك ولم يتلقوا العلاج رغم بلاغاتهم المتكرره وحسب ما ذُكر لي أن أحد الأسرى يدعى جمال من منطقة كسوفرو كان يعاني لفترة من الآلام بسبب طلق ناري لم يتم إخراج الرصاصة وتدهورت حالته حتى إستشهد داخل المعتقل دون تقديم أي رعاية طبيه ، وما شهدته لفترة طويله قضيتها مع عبدالله جباره كان يعاني فيها من آثار الإصابة دون تقديم أي رعايه وفي مره قدموا له بندول ومره أخرى مضاد حيوي !! وسيحكي التاريخ عن هذه الفظاعات. فقبلها بأشهر كنت في زنزانة أخرى مع طفل لم يكمل السابعة عشر من عمره أسمه إبراهيم صاروخ من أبناء الدلنج يعاني من آلام مستمره بسبب 8 رايش من دانه إستقرت في مواقع مختلفة من ظهره وعند تبريد الزنازين (تسمى التلاجات لأن الأمن يمارس فيها التعذيب عن طريق البرودة العالية)  يتلوى ألماً وعند التبليغ عن حالته جاء أحد المعتوهين من ضباط الأمن. 

قال: وينو إبراهيم القال عندو شكوى؟ و عندما أعلن إبراهيم عن نفسه، أخرج العسكري طلقة من جيبه و قال له: "ده علاجنا مع الزيك! "

وللأمانه والتاريخ أشهد أن هؤلاء الشباب واجهو الجلاد ببساله وشجاعة شبيهة بالأساطير القديمة وبإيمان بعدالة قضيتهم وثقة في النصر وما هابو الموت للحظة إن كل واحد منهم كان قصة فريدة تحكي عن عظمة نضال شعب يواجه الظلم في ميدان المعارك وداخل الزنازين .

 كانت أصعب فصول هذه القصة بالنسبة لي بعد خروجي من المعتقل في أن أقنع أسرة عبد الله بأنه على قيد الحياه ومعه ماهر في مكان واحد بعد أن أقاموا العزاء بخمسة أشهر وهي مهمة عسيره خصوصاً أنها أسره بسيطة لا تربطني أي صله بها ولتحقيق ذلك فقد حفظنا جزء من حصتنا الشهرية من صابون الغسيل لكتابة أرقام هواتف أقارب عبدالله جباره وماهر وأسماء بقية المعتقلين للإعلان عنها وللأسف تم تفتيش أغراضي وتمت مصادرة الصابونة الرابطة بيني وأسرة عبدالله ، في اليوم التالي لإطلاق سراحي جلست طويلاً ونجحت في تذكر رقم جمال أحد أقاربه وباءت المحاولة بالفشل لأن الرقم مغلق وبعدها تذكرت رقم من كان يفترض بها أن تكون زوجته بعد أيام معدوده من الأسر ، ونجحت المحاولة ولكنها لم تصدق الخبر. لكنها مشكورة أخبرت الأسرة وبدأوا في التواصل معي لعدة مرات . كانت الطريقة الوحيده لإقناع أخته الوحيدة الشقيقة هو بالحديث معها لفترة طويلة من الزمن عن كل ما حكاه عن أسرته بالتحديد قصص الطفوله، فهي المشترك الوحيد المحفوظ بينهما دون ثالث إلا أطراف الونس في الزنزانة. عندها فقط صرخت الأخت بصوت محفور في ذاكرتي لن يقوى الزمن على محوه. واصلت معها الحديث والدتي العزيزة زينب لتحكي لها طويلاً وتتبادلان الصبر والمواساه وتتحول الى علاقة أسرية. تشرفنا بعدها بزيارة خاله المقيم لمنزل الأسرة في أمدرمان وبدأ للترتيب لأول زيارة قبل أن يتم بعدها تحويل كل الأسري للمحاكمة .

إستمرت المحاكمة فترة 13 شهر قضاها الأسرى كمنتظرين بين سجن كوبر والهدى في أوضاع سيئة أدت لوفاة الأسير محمد موسي في سبتمبر 2015 الذي كان يعاني من (موية في الصدر) وهكذا هو حال الأسرى إلا من تكفلت أسرته أو جهة بعلاجه ودفع رسوم إضافية للحراسة وغيرها من بنود الصرف. إنتهت المحاكمة الطويلة بالحكم عليهم جميعاً بالإعدام في 26 نوفمبر 2015 وبعدها قضوا فترة حتى صدور شملهم العفو الرئاسي في مارس 2017م ضمن إجراءات تهيئة المناخ .

بعد تجربتهم المريرة مع الأسر والحبس الطويل وراء الزنازين مجنزرين بالسلاسل والقيود كان إصرارهم على الحياه هو أقوي وفي مساء اليوم 26 نوفمبر إتصل بي عبدالله محمد أحمد جبارة من داخل خيمة زفافه على من إنتظرته طويلة لتحتفل شوارع وبيوت محلية مليط بيوم فريد يحكي عن قصة كفاح وصبر تتوج بمهرجان عرس وإعلان إنتصار الحياه .

 

في نفس الوقت ليس ببعيد عن و مليط وفي نفس الولاية شمال دارفور فقد شهدت بادية مستريحة معارك طاحنة راح ضحيتها أطفال ونساء وشيب وشباب وجرح وأسر منها الكثيرين فيهم عبدالله آخر لتعبر عن أبشع صور إستمرار الأزمة الوطنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1