ما قبل الكارثة

ظلت اللجنة الدولية لإنقاذ النوبة ومناهضة السدود تحذر في كل منشوراتها ومقابلاتها الصحفية من خطر المعدنين العشوائيين وبخطورة التعدين القائم على تسهيلات حكومية دون دراسة حقيقية، الحقيقة ايضاً ان معظم الكيانات والتجمعات النوبية أسهمت في التعريف بخطورة وجود ما يمكن وصفه بملايين المعدنين في المنطقة النوبية، وجود على الارض لم تسبقه دراسة اقتصادية او اجتماعية، بل صار (ورماً) غير حميد في خاصرة الجغرافيا والمجتمع النوبي دون رد فعل من النظام القائم في الخرطوم.
ايضاً امتد الخطر بامتداد استخدام مواد خطيرة التأثير على البيئة عموما وعلى الانسان بشكل كامل التخصيص، مواد مثل السيانيد والزئبق تستخدم بشكل غير مضبوط ولا يمكن وصفها سوى بالعشوائية، الامر الذي انعكس سلبا على المعدنين قبل انعكاسه على كامل المنطقة صحياً واجتماعيا.
نعم التعدين العشوائي كارثة، والتسهيلات الفاسدة للمصانع المعنية بالتعدين أكثر من كارثة، والطامة الكبرى ان الفارق المكاني بين المصانع ومصادر المياه وسكن الشعوب لا يتعدى ما حذرت منه كل الجهات المختصة، ثم لم يجد الجميع ما يعينهم على إيصال شكواهم او توصيل مظلمتهم سوى وقفات احتجاجية، أشهرها وقفة صواردة في الثامن من ابريل الماضي واحتجاجات حميد في مايو المنصرم، ثم النتائج على ارض الواقع لا تشي بأن الامر لامس اهتمام المركز هذا ان لم يكن تصنيفه في جانب المراوغة لمصلحة (هوامير) التعدين ولصوص اللحظات الفارقة بين الموت والكسب السريع،هذا وبلادنا ترزح بكلياتها لقوانين الدعم السريع والكسب غير المشروع.
كل ما ذكر سابقاً لا يساوي شيئا أمام الكارثة المقبلة، فالبلاد تواجه خطر انتشار وباء الكوليرا، ذلك المسمى مجازاً ( الإسهالات المائية) في محاولات السلطة اليائسة لابعاد وصم الفشل عنها، انتشر الوباء بشكل متسارع بالنيل الأبيض ثم انتقل لكل ولايات السودان بما فيها حاضرته، اذ تم تسجيل حالات إصابة في كل مستشفيات العاصمة الخرطوم تقريباً، ثم حذرت معظم السفارات منسوبيها في الداخل، واعلنت عدد من البلدان خطورة وضرورة الحرص مع القادمين من السودان لأراضيها، علما ان الكوليرا مرض مرتبط بالفقر والجهل وقبلهما الفساد السياسي، فالمعلوم بالضرورة ان وباء الكوليرا ظل رديف للمستعمرات والمناطق المقفولة، والبلدان قليلة الحظ والموارد، ثم ظهر حديثاً في البلدان التي يصاحبها فشل في إدارة الدولة وتدني في نسبة التعليم والفساد الفاصل بين حق الحياة واستئثار فئة قليلة بخيرات مجموع الشعوب.
الكارثة تتمثل في انتشار الكوليرا في الولاية الشمالية علما ان عدد السكان لم يعد هو بذاته وفق آخر تعداد، يمكننا القول ان عدد المعدنين العشوائيين في المنطقة أكبر من عدد السكان، وان بعض المناطق صارت داخل دائرة يحيط بها من كل جانب معدنون من خارج المنطقة، هؤلاء المعدنون كما يمكن إطلاق صفة المعدمون من كل شيء سوى الأحلام يعيشون ظروفاً بالغة التعقيد، فبخلاف انهم لا ينعمون بأي درجة من درجات الأمان والسلامة المرتبطة بالمهنة أيضاً يعيشون في ظروف بالغة التعقيد من حيث الاشتراطات الصحية، ولكم ان تتخيلوا ان هنالك مناطق بها مئات الآلاف من المعدنين يقضون حاجتهم في (الخلا) ويشربون مياه ملوثة ولا توجد لديهم اي وحدات صحية، الكارثة تتمثل في ان الكوليرا قريبة من خيامهم، وإن حدث هذا سنرى أسوأ ما يمكن ان تتخيله البشرية من موت بالجملة.
على الجميع العلم ان التعدين العشوائي جذب حوالي ستة ملايين شخص في الولاية الشمالية وولاية نهر النيل وحدهما، وعليكم العلم ان الحياة هنالك ليست بحياة، فمعظم المتواجدون ينظرون للمكان باعتباره الفاصل بين الحلم وتحقيقه، متناسين ان المكان برمته يمكن ان يصبح مقبرة جماعية لضحايا الكوليرا حال انتشارها.
رسالتي للجميع، والتحية قبل الرسالة ل(دلقو) وما جاورها من مناطق حيث بدأ الاحتشاد والاستعداد للخطر القادم، رسالتي للجميع ان انتبهوا للأمر، فالمعدنون بذاتهم ضحية والسكان على مرمى حجر من الخطر، عليكم بالاستعداد واعلاء التوعية، عليكم بتجهيز كل ما يعين على تجاوز الخطر المحدق، وان كنّا لا نود التبشير بالموت ولكن!!! اقترب الموت بالإسهال قبل الاغراق.
اخيرا تبقى اللحظات بين الرصاصة وصدري مليئة بحلم الحياة في وطن يسع الجميع.

 

 

عمر حلاق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1