الرئيسية / المقالات والتحليلات / قراءة و تقديم لرواية (أمّي و حكايات المدينة عرب)

قراءة و تقديم لرواية (أمّي و حكايات المدينة عرب)

الصديق الأستاذ أبراهيم سعيد منحتهُ عطبرة أوسم صفاتها فمشى في الأَرْضِ يحمل كل ما يُحقق للبلاد الطويلةِ الأحزان حُلمها الأجمل فمن جامعةِ القاهرة فرع الخرطوم و للقاهرةِ الأم ثُمَّ في مدينة بيرث بغرب أستراليا ظل ذات الفتى المُهجَّسَ بالعدلِ و بأحترامِ التعدد و المنحاز بلا شقٍ أو طق للمهمّشين و الفقراء و الغلابة من كل سحنةٍ و نِحلةٍ و أملٍ و ظلم ، حين التقيه تملأني آمال عِراض .

في ليلة السبت ٢٠١٧/٩/١٦ التي أستهلل فيها أصدقاء مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بمدينة بيرث /غرب استراليا رواية "أمي و حكايات المدينة عرب" شرفني الصديق أبراهيم سعيد بهذه القراءة النقدية الماتعة للرواية.

 

قراءة و تقديم لرواية (أمّي و حكايات المدينة عرب)

و يُمكن للنسيان في زمن هزيمة الذاكرة الصحيحة أن يطوي المثقّف و لعلّ الكتابة وسيلة يصدُّ بها كاتب الأحلام النسيان المحتمل ..

و في دائرة النَّار التي تلسع الإنسان السّوداني في كُلّ المواسم يكون دور الأدب كشكل من أشكال الوعي الإجتماعي مُتمايز بأجناسه محدّداً بالكشف عن الحقيقة لا خلق جمال باذخ لا يعترف به التاريخ فالحياة هي الحياة تعجّ بالمعاني و القيم و المعايير و المفاهيم تتداخل فيها كل الأنماط و التيّارات .. الظلم بالعدالة ، الجهل بالوعي ، الفرح بالغضب ، الرّذيلة و البراءة ، الحماقة و الشفقة ، التمرّد الغموض و الوضوح ..

و يكون دور الكتابة هو تحريض العقل لمعرفة ما هو قائم كي يناضل لتغييره .. هنا نلامس الوظيفة النقديّة للأدب و كل إنتاج أدبي فالنقد يلقي الضوء علي ما هو مظلم و يشير الي بؤس الواقع و سيادة العجز .. يفضح ما لا يُري و يدفع للتساؤل و الحركة و الفعل ..

و في تمايز النّثر عن الشّعر ينهض النّثر كإلتقاط لغوي متمايز لعلاقات الواقع يتوسّل اللّغة كأحد وسائله ، مفارقاً الشعر بوصفه تصرّف أو عمل في اللّغة .. و قد ينطلق الشعر مطلق السراج متحرّراً من زمانه لكن النّثر لا يعيش خارج تحديد زمانه ..

و لعل الشّرط الذي يُلقن الوليد معني الأزمة يأمر بمفهوم مختلف للجمال و الكمال المزعوم .. فيكون الجمال و الكمال النّسبي في فعل التمرّد و المقاومة و البحث وراء إبداع للتمرّد و أشكال المقاومة ..

أمّا اشتقاق الجمال من ُزرقة السَّمَاء فيُفضي الي أسطورة الإبداع و طقوس البديع ، حيث تكون اللّغة بديل عن الواقع و نقيض له و البطل يستدعي الرّثاء و إن كان رشيق القامة.. 

فكل إنتاج أدبي هو إنتاج لشكل معيّن من الإستقبال الأدبي و إذا كان الانتاج الأدبي في أشكاله السّائدة ينزع الي تكريس القيم المُسيطرة و المحكومة بأفكار الثّبات و الديمومة في الخير و الشّر أو القُبح المُطلق و الجمال المُطلق فإنّ الأجناس الأدبيّة المُعبّرة عن الجديد المتوائم مع روح المرحلة و التغيير كهاجس مرحلة فهي مُلزمة بإنتاج قيم جماليّة جديدة ترتكز علي الضرورة و ليس الصّدفة تدعو للنهايات المفتوحة التي تطرح الأسئلة و تحترم عقل القارئ بعيداً عن الإنشاء اللّغوي و الوعظ الأخلاقي عبر الإنتقال إلي مدار الإتّهام و تحريض العقل و بهذا يأخذ معني الإيصال شكلاً جديداً فيسأل بدلاً من أن يُسلّي و يحرّض بدلاً من أن يَعِظ و هنا يقترب القارئ من الكاتب و الكاتب من القارئ في خوض معركة يحدّد شكلها المهام التّاريخيّة و الإجتماعيّة المُحدّدة و التي يحملها سياق التطوّر التّاريخي و الإجتماعي …

في هذا السياق نتناول هم و هويّة الكتابة عبر صوت و قلم مُتميّز نتبيّنه بين الكثير من الأقلام في واقعنا المأزوم و هو العمل الفائز بجائزة الطَّيِّب صالح للإبداع الرّوائي في دورته الثالثة عشر للعام ٢٠١٥م حيث يقدّم لنا و بعنوان (أمّي و حكايات المدينة عرب) و عبر ٢٥٨ صفحة من الحجم المتوسّط – يُقدَّم لنا – عالم معاناة و غُربة بأسلوب و نبرة متفرّدة تحديداً الزّميل محمد سيف الدولة أحمد محمد صالح من خلال مجموعته القصصيّة و التي تنسجها سياقات الواقع و تنطوي في مجملها علي تداعيات التساؤل العميق عن مصير الإنسان في اتّصال لا نهاية له من التساؤلات ..

تتحرّك فيها الأحداث و الأشخاص حتّي الأشياء الهامدة و هي تحمل نزعة جامحة للتغيير .. من الرّيف الي المدينة و عبر الظواهر و الأنماط و المعاني و القِيَم و الصّراع و التناقض و التنافر .. يقدّم لنا منظومة قَصصيّة أشبه بلقطات متنوّعة تخاطب العقل و الذّاكرة و الفّكر و تساؤل التداعيات بين المعرفة الموضوعيّة و الرّغبات الذاتيّة و تصوّرات الآيديولوجيا ..

قلم مسكون بأزمة الوطن يُدافع عن الحريّة و الفعل و الإنسان و أحياناً يمزج بين الموجود و المفقود و الممكن و المرغوب و يخلط بين الحاضر و الغائب و في هذا المزج و ذاك الإختلاط يعطينا الكثير من الأفكار الصحيحة و من الإرتباك أيضاً ..

و عبر قراءة تحليليّة يمكن تحديد الآتي :

أولاً من حيث الشّكل :

عنصر الشّكل بجانب العناصر الأوليّة الأخري هو أساس بناء القصّة القصيرة في الحقبة الراهنة و ذلك عبر عمليّة انتقاء و فرز و استثناء و جمع كيفيّة تشخيص المجسّد في رموز و الإنتقال باللّغة من عالم التجريد الي المشخّص المحدّد و هذا الشكل هو ما يُميّز بين القصّة و التقرير الإجتماعي أو التّاريخي ..

محمد سيف الدولة و عبر (منظومته) استطاع النفاذ و ببراعة و عبر الشكل الي تفاصيل الحياة اليوميّة مُرتكزاً علي موقف فلسفي ليؤكّد لنا حقيقة أساسيّة تقول :

إنّ شئون الحياة اليوميّة البسيطة هي الصّورة المشخّصة للقضايا الكبيرة و أكثرها جدارة بإهتمام الإنسان ..

ثانياً : الحدث و الحوار و الشخصيّات :

من خلال عنصر الإستكشاف الذي هو دلالة الحركة و الإنطلاق كمحك للجودة و الإبداع .. و هو ما نلامسه عند (محمد سيف الدولة) في عين شديدة الملاحظة بجانب البراعة في اجتراح و توصيف شخصيّاته بالملامح و السمات من خلال الحدث و الوصف و الحوار فيصطحب القارئ في سفرات و جولات تصويريّة فكريَّة يطلعنا فيها علي أنماط و نماذج و تيّارات أصليّة في مسارات الواقع و الحياة اليوميّة .. نماذج إنسانيّة بدمها و لحمها ، أنينها و أفراحها كما هي ..

حركة فكريَّة دائبة البحث عن الإنسان متوغّلاً إلي قاع المُجتمع و زوايا الوطن من المدينة عرب الي جزيرة مساوي أقصي الشمال مُقتحماً يُمعن النظر و يرهف السّمع متنقّلاً بين الظواهر و الإنفعالات و الأنماط .. فالقاص بجانب كونه مختص بجماليّات موضوعه يلتقي فيه المؤرّخ و الفلسفي و المفكّر و المُحرّض لأنّ مُحصّلة أحداثه و شخصيّاته و إن لم تكن من وحي الخيال فما هي إِلَّا انعكاسات و رموز و دلالات لحقائق عصر و عنوان مرحلة و صدي و تكثيف لمعانيها … و تتراسل لقطات المنظومة عبر انفعالات و معاني متباينة متعدّدة :

الجيرة الشيّقة / عوالم التُّكُل / حكاية حسب الرَّسُول / حكاية فاطمة بت حوّة / بوح المكان سبيل الغضب / نكبة الكلاب / راكوبة المعرفة / ليل المدينة عرب / الرواكيب القصائد وقائع خبر وفاة …

بين حركة مكانيّة مُترامية الأطراف بدءاً بالمدينة عرب الي مدني عبوراً للحصاحيصا إلي الكنيسة و تنقاسي و جزيرة مساوي لتشَكُّل إطاراً يسيح الحياة بما فيها من مِحَن و ملاحم مدارات الطفولة و الصبا و سياقات التفتّح علي الحياة و تبدو اللقطات اقراراً متّصلاً و تحريضاً مُستمرّاً للدخول في علاقة جدليّة مع نصوصها و فضاءاتها .. فلا يكون القارئ مجرّد مُستهلك لإنتاج فنّي بل يتحوّل لمشارك يثري دلالاتها و معانيها و آفاقها ..

ثالثاً : من حيث المنهج :

نلمح خيوط منهج التناول في الكيفيّة التي تناول بها (محمد سيف الدولة) موضوعات الحياة اليوميّة البسيطة و من خلالها أنتج منظور سياسي و هنا يكمن تجسيد وصف الطليعيّة في الأدب فمن لم يقرأ شرق المتوسّط لعبد الرحمن منيف سيجد في هذه المنظومة التكثيف المُعبّر عن دلالاتها و من لم يُطالع جذور السنديانة الحمراء لمحمد دكروب سيجد إختصاراً لها ..

جُهد و إبداع و ثراء في اللّغة حدّ الإكتفاء عبر سفرات شعوريّة متنوّعة يأخذنا فيها الكاتب و ذلك عبر عشرون بوّابة أو أكثر .. النشيج و الأسى لأوضاع سّودان ما بعد الإنقاذ ١٩٨٩م و الإدانة الاجتماعيّة التي تقدّمها حياة الناس اليوميّة .. شرف الإعتقال و بؤس المعتقل في مقابلة دراميّة بين (المُعتَقل و المُعتقِل) الأوّل خالي الوفاض إِلَّا من إرادة و تصميم علي الحق .. و الثاني عبثاً يحاول مُداراة تفاهة مهمّته وراء صرح القبيلة فتهزمه الشلوخ .. فأشخاص الكاتب يُرشِّح فيها التّاريخ و التحوّلات الإقتصاديّة و الإجتماعيّة ..

و أخيراً .. يمكن القول أنه لا يستطيع الكاتب الملتزم و مهما تجرُّد أن ينجو من آثار قضيّته التي لم تنتصر .. فينجرف في الهزيمة و يرفضها معاً فيتابع التبشير بنص قادم ان لم تبدّده الهزيمة ..

لعلّها تجسيد حي لمأساة كاتب مزّقه المنفي .. يلعن الظلم و المنفي معاً و يحتفظ في جيبه بقليل من الفرح يجمع هواجسه في عمل روائي أقرب للسيرة الذّاتيّة .

إبراهيم سعيد – مدينة بيرث بغرب أستراليا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1