الرئيسية / المقالات والتحليلات / في محن الكوزنة وإحن دكتاتورية الكيزان !!

في محن الكوزنة وإحن دكتاتورية الكيزان !!


المبتدأ: –
نزف التهاني القلبية لمسحيّ السودان وكافة مسيحي العالم بمناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة وذكرى ميلاد المسيح سيدنا عيسى عليه السلام متمنين أن يسود السلام والمحبة كافة أرجاء المعمورة «الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ» (إنجيل لوقا 2: 14).  
والخبر: –
(1)
من الواضح أن عصياني 27 نوفمبر و19 ديسمبر المدنيين قد نُفِذَا ببراعة ونجحا نجاحا باهرا رفد ثقافة الفعل الثوري بمعارف جديدة، ونقل وعي الشارع السوداني نقلة نوعية فريدة؛ لتضعه مرة أخرى في مقدمة الشعوب ذات البصمة والتجربة الثورية المتفردة، وهذا باعتراف الكثير من المحللين السياسيين الدوليين، ويكفي للتأكيد على مدى نجاح حراك العصيان كأداة نضالية فعالة أن العديد من القنوات الفضائية العالمية المحترمة  مثل ال (بي بي سي) والقناة الفرنسية لا تزال برامجها السياسية تعالج تفاصيل مشهده، وتحاول تلمس كنه هذه الوسيلة الناجزة التي تمكنت من إحراج وإخراج نظام عتيد مدجج بكافة وسائل البطش والقمع من طوره، وجعله يرتجف فزعا من قمة هرمه السلطوي إلى أخمص قدمي منسوبيه، ويتخبط خطابه الجماهيري في تصريحات حمقاء تكشف قدر الفزع وتبين مدى قلة الحيلة.
(2)
عرّى العصيان هشاشة النظام، وكشف ضعف قياداته التي تبارت في التكشير عن أنيابها وإبراز عضلاتها إعلاميا، وهي تختبئ خلف آلة بطشها الأمنية، ومن المجدي لشباب الحراك السلمي الإعراض عن غثاء تصريحات النظام المذعور المترعة بالكراهية للشعب ، وتجنب الدخول في متاهة مغالطاتها الفجة وهي تحاول غمط حراك العصيان حقه من النجاح، والتركيز على ايجابيات ما تحقق ومعالجة اوجه القصور استعدادا لجولات عصيان قادمة؛ مع الاهتمام دائما وابدا بنشر المعارف الصادقة وهزيمة الوعي الزائف؛ الذي يعمل اعلام السلطة على تسويقه؛ ومن المفيد لرفع الوعي الجماهيري تعرية طريقة تفكير اقطاب النظام والولوج إلى عمق العقل الجمعي للجماعة الباطنية التي استطاعت في غفلة من الزمان الاستفراد بوطن عظيم الموارد كالسودان، وكشف كنه مشروع الخراب الذي قاد السودان من دولة مرشحة لتكون سلة غذاء العالم ليضعها خلال ربع قرن في مصاف الدول الأكثر فقرا و فسادا. 
 (3)
ولفهم ميكانزيم التحول المحزن لا بدَّ من سبر غور هذه العقلية المجرمة، والتعرف على خصائصها الشاذة، والمتأمل لها يكتشف أنها عقلية متسلطة غير مرنة، وضعيفة في أعماقها، تتستر خلف جمودها من أجل قمع الآخر، وعدم إظهار ضعفها، إنها عقلية عاجزة عن النقاش الديمقراطي، وعاجزة عن تقبل اختلاف الرأي، تعيش داخل قوقعة من أفكارها الظلامية، وتحمل سمات أمراض نفسية يصعب علاجها؛ لأن اضطرابات الشخصية بشكل عام هي اضطرابات باطنية لا يشعر صاحبها بأنها غريبة عنه؛ والتعامل مع هكذا عقلية أمر غير سهل؛ في الحياة العامة فما بالك إن قٌدر لها الحكم والتحكم في مصير وطن ومصائر شعب بأكمله؟؟!!؛ لهذه العقلية المهوسة بالسيطرة جنوح شديد نحو التحكم في الأشياء والأفراد من حولها ويرجع ذلك لشعورها بأن حياتها الخاصة خارجة عن نطاق السيطرة، وتبحث عن علاج أزمتها بمحاولة التحكم في الآخر، وهي في العادة تعيش في خوف دائمٍ من الفشل وعواقبه، وفي ذات الحين لا تثق في أحد، ولا تقر بقدرة الآخر على القيام باي عمل بطريقة أفضل منها؛ لذا فهي على الدوام في حالة لوم ونقد للمجتمع، واحساس بأنها تستحق ما لا يستحقه غيرها، وهذا الاحساس المرضي بالتفوق والغطرسة يدفعها لحب السلطة المطلقة .
(4)
العقل المسيطرة عليه شهوة السلطة المطلقة عادة ما يكون متناقض، يتنقل بين المتناقضات في مهرجان من الدعاية، يمدح الشيء ويذمه، يذم الشيء ويفاخر بفعله، يكتب الدستور ويطلق الرصاص على من ينادي به؛ يدعو الى الحرية ويعاقب من يصدقه، يمجد الكرامة ويهدرها، يقدس الشعب ويحتقر إرادته، يفعل جميع الأخطاء ويرتكب كافة الموبقات، ويضع مكبرات الصوت في الساحات والمساجد بلا حياء للثناء عليها، لا يحترم عقل الجماهير، ولا يؤمن بالمنطق؛ بل يعتمد على الدعاية، التي يرصد لها الميزانيات الضخمة لتعينه على معارضيه؛ والإعلام في فهمه ليس سوى مجموعة أكاذيب وإشاعات وخطب انفعالية رعناء وسلاحه الفعال للمحافظة على تسلطه هو (التخويف) لعلمه بأن غريزة الخوف أقوى غريزة تستثير المجتمعات وتستهلك أحاسيسها، الخوف أقوى أثر وافعل في حياة البشر من كافة المشاعر الإنسانية الأخرى، ومن الخوف يتولد الحقد؛ وكلاهما مشاعر سالبة تدفع الفرد للتخلي عن الفضائل واعتناق الرذائل والعقل المهوس بالسيطرة يستغل جميع المشاعر السالبة فيلقي بثقل دعايته  على مخاوف الناس وحبك القصص الخرافية عن أعداء متربصين وعن خونة وعملاء وعن خطط يعدها هؤلاء في الظلام؛ لضرب الأمن والاستقرار وتعكير صفو الحياة العامة ثم يدلف لشرح الاستعدادات التي قام بها لتحقيق النصر على الخونة وحفظ أمن المواطن!!؛ وكلما انتصر على عدو وهمي يسارع لاختلاق عدو وهمي جديد ليظل الخوف يدعم استمرار تسلطه؛ فالخائف لا يستطيع أن يتدبر الأمور وهو أعجز من أن يقاوم أو يعارض أو حتى يفهم، طبيعة العقل الماكر الذي يقوده إلى الجحيم مغشي البصر والبصيرة. 
 (5)
هذه العقلية دكتاتورية لا تطيق المعارضة ، والمعارض في عرفها خائن ومتآمر، لا يستحق سوى الموت كذلك كل من لا  يؤمن بعصمتها فهو زنديق، وهي تبغض النقد والتفكير، فالذي ينقد ويفكر لا بدَّ أن يكون عميل للأعداء، والتفكير والنقد حسب فهمها كفر بالمقدسات الدينية يقدح في  شرعيتها المستمدة من السماء ويشكك في امتلاكها للحقيقة المطلقة؛ وهي على قناعة بعدم حاجتها  سوى للبيعة والتهليل والتكبير لأنها مميّزة بفكرها وقادرة لوحدها على (إنقاذ) البلاد والسّير بها إلى برّ الأمان، بمنطق فرعون: (وما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرّشاد ) لذا فهي مستعدةّ لاتباع أيّ أسلوبٍ مهما تنافى مع القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة من أجل تثبيت تسلطها ولو أدى ذلك لحرمان المجتمع من كافة حقوقه وقهره بأجهزة أمنها التي لا تتواني في الصرف عليها من أموال الشعب ضمانا لولائها المطلق.
(6)
آثار العقلية المتسلطة وخيمة على المجتمع، ووجودها على سدة حكم بلد أيا كان شديد الخطورة ويعني دون شك تخلّف هذا البلد؛ ذلك لأنّ هذه العقلية تقمع وتحد من حريات الآخر وإبداعاته، كما أنّها تفرض وصاية على المجتمع تفتقر إلى الحكمة والنّضج السّياسي، كما أن غياب المشاركة السّياسيّة التي تفرضها يولّد الكبت والقهر الذي قد يتحوّل إلى ردّة فعل عنيفة كما نرى في سودان اليوم في مناطق النزاع الثلاثة (دارفور؛ جنوب كردفان والنيل الازرق) واختصارا هذه العقلية مريضة تجمع في سماتها كافة السوالب من قمع المعارض وحربه إلى محاولة إبقاء المجتمع على الجهل والتخلف، وتكييف القوانين بما يتناسب مع أيدولوجيتها، والاجتهاد في تشكيل المواطن على نمط معين، وتدجينه وفق أيدولوجية معينة وإشغاله بعدو وهمي، وهي لا تستنكف من استغلال الدين، لإبقاء الشعب في حالة فقر وعوز منشغل عن مقاومتها بطلب العيش، ولا تتورع من نشر الرذيلة في المجتمع؛ لتفكيكه واضعاف الحمية الوطنية، ولها دوما مسوغ شرعي جاهز لاستخدام هذه الوسائل المخزية؛ حفاظا على استمرار تسلطها، فهل هناك ما هو أشد خطرا  على المجتمعات من هذا العقلية الماضوية اللعينة؟؟. 
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

 

 

تيسير حسن إدريس 26/12/2016

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1