الرئيسية / المقالات والتحليلات / فعاليات الذكرى 5 لوردي : حنين

فعاليات الذكرى 5 لوردي : حنين

فعاليات الذكرى 5 لوردي 

وذكرى وردي مثل (متاورة) الشوق، ويبقى الشوق للذين رحلوا أرحب باعتبار استمراريته، رحل محمد عثمان حسن كاشف ورحيله ليس مثل غيره، فوردي يمكن تعريف مجاميع قطنت السودان لقرون عبره، كما وردي يشير مباشرة للسودان الذي يتمنى، وردي تمنى للسودان عبر أشعار مجدت الوطن وجعلت الجلوس في حضرة جلاله أفضل نماذج (مسرحة) الغناء، ثم وردي ابن الوطن العريض وحضن أفريقيا الدافئ.
الكتابة عن وردي تمثل تحد شخصي قبل كونها محفوفة بمخاطر الخوض في شخصية عامة من الدرجة الاولى وخاصة من الدرجات الأخص، رافقته اثناء انتاج قناة الشروق لبرنامج (أعز الناس) كمنتج للبرنامج رفقة الزميلة رشا ابراهيم وفريق فني على أعلى مستوى بقيادة المخرج هشام الريح، كما كانت سلمى سيد أكثر من مقدمة في البرنامج، وقتئذ كان الجميع ينظر لأعلى حين يمشي بيننا وردي، فالرجل مشى بين الناس قبلاً قيمة وفكرة، ثم سيطرته على مفاصل عمله جعلت من كل مراجعة متعة منفصلة ومن كل إعادة اثناء التسجيل استزادة لأوقات سنقضيها برفقته، لا تعب مع الحب ولا ملل مع الوعي ثم يقين بأنه لا يوجد في الساحة من يضاهيه فناً وحوار، الامر الذي جعل البرنامج مثل مشاريع التخرج للانتقال من مرحلة لأخرى ونحن التلاميذ في حضرة جلاله.
ثمة ملاحظات لا تحتاج لالتقاط أبداً في حضرة وردي، أولها أنه لا يصاب بالوهن أثناء التسجيل، وإن كان العمر ثمانيني فالقلب يعشق صاحبة ال (١٩) سنة، حينها سألته إن كان الامر له علاقة بالحفاظ على نمط حياة، ضحك كعادته حين يود السخرية(يا عمر: انا لو بحافظ على نمط كان بقيت سواق قطر)، كل القصة في رأيه أن سعيه للتسجيل سعي المحب للقاء الأول، أمر آخر يمكن التقاطه بسهولة وهو أن وردي يعلم عظمته ثم حين يصلك الإحساس بتلك العظمة يعاملك ببساطة، وأنا أول الهاتفين بعلوه كان يهبط لمقامي سائلا عن وصلة أو مقطع ثم الحوار سمته الاولى والامتع، شخصياً أظن أنه الفنان الوحيد الذي مرّ على كوكب الارض وتجد في حديثه متعة أكثر من غناءه، ثم الحديث عن الاغنيات دائماً ما يجلب الخلاف، فانحيازي لأغنيات بعينها ينظر له وردي بتلك الدرجة مِن العلو وهو يضحك، يعلم الرجل انه غنى لكل منا ما يكفي سهاده وتعلقه، انتصاراته وهزائمه، ثم يعرج ليحكي لهم قصة تجعل التسجيل مشحون بعواطف لا يكفيها الاحتضان.
رافقني صديقي خضر حسين لأحد ايام التسجيل، تذكرت حينها قصة صديقنا ذلك الذي حكى لنا انه وابن عمه كانوا يحبون نفس الفتاة، يمضون لمواعدتها سوياً، ثم يكتبون نفس الخطاب وفِي التذييل توقيع محبان، وأنا وخضر ذرة مثل تلك التي بحث عنها وردي في تراب الوطن، لا نسوى سوى ذرة قياسا بشعوب تعشقه، في الطريق للتسجيل خضر يسال عن ماذا سيغني الاستاذ اليوم؟ وأنا أحاول استلاف لغة وري في الرد(يعني انت فارق معاك شنو؟) ونضحك لان الحروف جميعها وقبل تشكيل الكلمات (حروف محبة)، يومها فاجأنا وردي بسحبه لكل فريق الايقاع واستعاض عنهم بطبلة تضرب عليها ريشة لتنتج إيقاع الدليب، والأداة التي في يد العازف ليست سوى ريشة فالريلة من شدة رشاقتها لا تحتاج سوى ريشة وعلى وردي أن يرحم محبيه، قال وردي أن هنالك إيقاعات لا يمكن لأحد مجاراتها الا إن كان ابن بيئتها وطفق يحكي لنا عن الدليب، خضر كعادته تزود بكاميرا وقلب محب، ثم امنيات الا ينتهي اليوم، بالله يا عمر ما لاحظت الأيام التافهة طويلة كيف؟ ووردي ينسل خارج الصالة ليرافق منتصر كنو نحو بدايات جديدة، فوردي آخر من يُؤْمِن بالنهايات.
يوم آخر كان برفقتي صديقي محمد عبد الفتاح ابراهيم الشهير بيننا ب(ميمي سميرة) ولميمي قصص مع اغنيات وردي، ذكر لي ميمي ذات ليل أن أغنية وردة صبية تتحول تلقائيا لقنبلة داخل قلوب المحبين، عليك الحذر من انفجارها، يعتقد ميمي أن انفجار قنبلة وردة صبية ستصيبك بالورود والرياحين، بالله عليكم كيف تتحول القنبلة لورود ورياحين ان لم تكن تلك المحبة بذاتها؟!!!
ميمي يحسب طول المشاوير في الحياة بحساب أزمان اغنيات وردي، يذكر ضاحكاً أن المشوار المحدد يحتاج مشياً على إيقاع الطير المهاجر، وأن المسافة بين السجانة وكبري الحرية لا تتجاوز هجرة عصافير الخريف، فالراسخ ان الفنان ليس من يجعل حالاتك تتباين بين الحب والامل، الفنان من يجعل عقارب ساعة تفاصيلك تضج بمعانيه،ثم أي فن ذاك الذي يحتاج في هبوطه لنفس درجة تعب الصعود.
عرفت حينها وردي الانسان،وردي الذي يجعل من مناجاتي للحبيبة مشروعه الشخصي(بالله يا عمر جيب سلمى وتعالوا لي البيت، حينها وسلمى سيد احمد لم ننجز مشروعنا الإنساني (كورقة) بينما في شرايين الحب مشاوير من العهود، وحين استقبلها في بيته طلب منا ان نختار بين الشاي والقهوة، وسلمى سيد احمد تختار الشاي ووردي ينحاز لكل خياراتها طيلة الجلسة عدا اختيارها لي(يا عمر بالله ما تزعل والله انا منحاز للبنات (خلقة))، وسلمى سعيدة بضيافة وردي وأنا ممنون لمقادير جمعتني به، سألته يومها عن السنبلاية وماذا تعني له الان؟رد ببساطة تعني ما عنته لي حينها، ثم أردف (الاغنية يا عمر بعد تطلع منك بتبقى شخصيتها مستقلة، وممكن تصل مرحلة الشخصية الاعتبارية، ياااا الهي يا وردي يا الهي.
كتبت في احدى مقدمات الحلقات ما استلفته سلمى سيد مقدمة البرنامج، أن الحضارة ليست حجارة، الحضارة ان نطأ بأقدامنا ما يعيق مسيرتنا، ثم وردي يعلم جيدا ما أعاق مسيرتنا، يعلم علم اليقين ما الذي أخر مسيرة وطن، ثم أكثر ما أصابني بالألم حين ذكر وردي أن ما قضاه يكفيه( رفع العلم وانزاله) انفصال الجنوب سياسياً، وبوار صاحبه يباس عّم كل الوطن، ذكرت له ان الأمنيات لا تذبل، رد بطريقته ان الأمنيات لا تذبل حين نبذل فقط، وحواري مع وردي حوار (الحوّار) مع شيخه، ذاك الذي شاكلته الوطن حين يغني (لسماء الوطن اللي ماله حدود) 
رحيل وردي سيظل مثل تواريخ الهزائم العامة قبل أن تكون شخصية، رحيله مثل النكسة والاستعمار تماماً، فحين ترحل الكلمة المسؤولة واللحن الموازي لها يتم احتلالنا بالغثاء وسواقط القول بعيداً عن الغناء والفعل الإيجابي، رحيل وردي رحيل لأحلام افريقيا وهزيمة لمبادئ الانسانية، ثم رحيله ايضا رحابة في ما تركه بِنَا من إرث لن تمحيه فترة الغياب، ياااااا وردي في حضرة غيابك يزيد الحنين.

 

عمر حلاق 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1