الرئيسية / المقالات والتحليلات / غزليــة القمــر: الجزء الرابع

غزليــة القمــر: الجزء الرابع

#الذكرى_5_لرحيل_فنان_الشعب

ضمن فعاليات الذكرى الخامسة لوفاة فنان الشعب وردي تنشر "نبوكين" رواية غزلية القمر للروائي النوبي حجاج أدول، الذي تبرع مشكوراً بإعادة نشرها على صفحات نبوكين .
الرواية القصيرة  التي كتبها حجاج أدول في العام 1989م ميلادية ، استلهم شخصية البطل فيها من شخصية راحلنا العظيم محمد عثمان وردي، وأعتمد أسمه وصفته كمغني فيها، وإن كانت أحداث القصة في مكان وزمان مختلفين عن المكان والزمان الأصليين لوردي . 
القصة نشرت في مجموعة قصصية بنفس الاسم: غزلية القمر. عام 1996. عن دار الحضارة للنشر.

قصة: غزليــة القمــر
الجزء الرابع

 

كرمي تشبث بالصف الأول للطرف الأيمن ليواجه نجميّة التي تمسكت بالصف الثاني في صفوف النساء المواجهة لصفوف الرجال. لا يفرق بينهم إلا الحلبة حيث وردي وبطانته والأربعة الشداد ضاربوا الدفوف وضابطو الإيقاع. يرصد كرمي عيني نجميّة الواسعتين، فإن تلاقت عيناهما أصابه مس اقشعر منه بدنه رغم فاصل الحلبة. نجميّة يصفق قلبها بجناحيه تشوقاً.

دفع الله يروح ويجيء ويحرص في التفاتاته ان يلمح حبيبة عمره خمرية البشرة (آرجو) يعلو كتفها فوق أكتاف النساء. هي تراه وان لم تنظر إليه. كتفاها وأعلى الصدر ورأسها خلايا حساسة تترصد وتلتقط كل حركات وتوجهات دفع الله. تسمعه وتحسه بالدم والحشا. خلف هذا الجسد القوى المتفجر، كانت سَمحة مختفية ترقص في صف من الصبايا وقد غلبها مزيج زهو وخجل. فقد راقصها وردي. بالها يسرح طائراً إلى خطيبها الذي يعمل في قاهرة ناس المصاروة. تقول.. آه لو كان هنا. يقترب الشيخ كرار من يعقوب..

-انت لست انت يا يعقوب!

– لماذا? كما ترى، أنا معكم ارقص وأغنى.

-لا، انت حزين على النخلة التي ارحناها.

-…

– كلنا لها. احمد يا رجل. الله أعطي، الله اخذ، الله عليه العوض .

– آه، سبحان من له الدوام.

-هيا نغطس قليلاً وسط صفوف الشباب لنسخن بحيويتهم. فقد أبردت الأيام أجسادنا.

ضربة دفوف جديدة كثيفة سريعة. تقدم كرار وخلفه يعقوب. وعند عمامة وردي رفع كرار يمينه عالياً وفرقع الأصابع.. زَتْ زَتْ زَتْ زَتْ.

– أبشر يا وردى أبشر.

ثم يعقوب.. زَتْ زَتْ زَتْ زَتْ وأبشـر يا وردى أبشر. انسحبا ليدخل دفع الله الذي لا يهمـد، وقد ثار في قلبه أمل جديد لإحياء حب قديم بعد ان مـات زوج حبيبته العسليـة آرجو.. زتْ زتْ زتْ زتْ. أبشر يا وردى.. أبشر. يا من تجري في عروقه أنهار العرقي الحـارق. التـف دفـع اللـه ليخرج من الحلبة إلى صفوف الرجال. فإذا بمن نزلت الحلبة? آرجو! تراقص صديقتها هيرية. نسي حذره حذر المواسم الطـوال. اتجه إليها. أوجدها أمامه. واجهها راقصاً. فاضطرت هيرية إلى الخـروج. شيء غير متوقع. فالجميـع يعلمـون بقصتهما.. سليم نفيسة اكفهر وجهه، إب ب ب ب. لكذ ديـاب بلّـوشـى ليكفهـر مثله مستنكـراً. الراقصـان المحبان يرقصـان أولاً على استحيـاء. الطـوال الأربعـة أتتهم روح غابـات ما بعد الجنـادل الأربعـة، فأعطوا مالا يعطيه إلا من نبت في أدغالها نباتاً. تعملقوا فإذا بـ.. للي للي للي للي من النســوة وهـن راضيـات. بـوم ببـو بـوم بـوم مشاركات. ورعد البـارود ورجـع صـداه ديىْ ديـىْ ديـىْ ديـىْ مدافعات. وان كانـت رقصة البنت سَمحة كالنيل في رضائه وهدوئه، فان رقصة آرجو هي النيل في فيضانـه الكاسـح من بعد تعقل أُجْبر عليه. جسدها المفصّص المخصّص المحمّـل بكـل آيات الثمار الأنثوية الأفريقية، الطويل الريان البض الغض العفي. يهدر هديراً فيقلّب ما ركد في القاع غصباً. يحثه عالياً واضحاً للعيان متجسداً. شفتاها الغليظتان تدمدمان.. تهمهمان. احتقن الوجه القمحي، فكساه غرين الخصب المتشوِّق. حريق العشق الذي شبّ وقبّ وبزغ في موعده الذي قدّره من يقول للشيء كن فيكون. دفع الله عشقه الكاوي يعطيه ما يلهبه فيلاحقها في حركات جديدة. يدور حولها، يهبط منثنياً ثم يقفز منحرفاً يمنة ويسرة في حيوية شاب في العشرينات. يداه كالمرجل رأسيا، إحداهما صاعدة والأخرى هابطة. أفقيا، هذه تتطوّح للجنوب وتلك تتمرْجح إلى الشمال. يتقدمان سوياً مع القدمين ويتأخران. برقت عينا آرجو وانفتحت شفتاها الغليظتان. والرقبة الطويلة تميل وتعتدل لتميل، وجسدها الذي لا يشيخ يرتج. دفع الله برقصته العصبية يروي.. أحببتك ومازلت احبك. وآرجو زرافة زنجية البناء مصرية اللون، تفور وتمور.. تبدع ببدن مدملج يعلن مضمونه بدبدبة القدمين ورجرجة الجسد، الرقبة اليايّة التي لا تستقر على حال.. لم تحبني كما احببتك.. أبدا.. أبدا. يقول الكهل وهو يترنح كزعف النخيل في يوم ذروة عاصفة (الدودو).. سكرت لك.. طفشت من جزيرتي لك.. عدت لك.. عشت لك.. غنيت لك.. رقصت لك.. اغضبت ناسي بسببك.

حولهما ناس العُرس، ناس العشيرة لا يغنون، على ضربات الدفوف ورنّات الطنبورة يرقصون اهتزازاً وهم وقوف. فدورهم الآن أصبح جوقة راقصة. تعطي خلفية وعمقاً للراقصين العاشقين. يتابعون يى تعاطف رقصة بوح المكنون. حتي كرمي، لم تعد من ترقص هي أمه، بل امرأة صرفاً في حالة جَذْب. منيرة بنت دفع الله وأم نجميّة، الذي يرقص ليس أباها، من تغار من قصة حبه مع آرجو لأجل خاطر أمها المتوفاة. بل الراقص رجل.. رجل فقط. رجل مُعذب يحكي بلوعة خلاياه كلها في رقصته.. آه يا ناس البلد، آه يا ناس الجزيرة.. يا ناسى. كم كبتُ ما أحسّه. تشفق عليه منيرة وتتمنى من قلبها ان ينال حبيبته.

الأربعة الشداد بخبرتهم أحسوا ان الرقصة يجب أن تنتهي هنا. فقد وصلت إلى الذروة العالية وقيل مالا يقال ومالا وضوح بعده برقص أفصح من كل قول بَشَرى..

– دفع الله باااسطيبو.

-يا اواااحد.               

-آرجو جون(3) باااسطيبو.

-يا اواااحد.

سليم نفيسة الذي ترك الرقص من فترة تعباً وسحب وراءه دياب وجلسا على جانب من الكثيب الرملي الذي تجلس عليه كاشفية العجوز، لم يعجبه ما يجرى. ولما شاهد آرجو وزوجته هيرية تتسللان ناحية المضيفة فيبلعهما الظلام، ومن بعدهما دفع الله، لكز دياب..

– مازال يحبها ذلك السكّير. لم يفهم بعـد انهـا لـن تكـون له رغم مـوت زوجهـا!

-والله العظيم!

-لم يتب من أيام فضيحته القديمة. تتذكر يا دياب?

-طبعاً. يا سلام!! كانت فضيحة فضيحة.

-من ثلاثين فيضاناً. عمر يا أخى. كان يتلصص في النيل بزورقه. شاباً مخبولاً مخموراً كما هو الآن كهل مخبول مخمور. كانت آرجو في عزها. وياله من عز. يحلم بجسدها الجميل كل من بلغ الحلم. طولها الفارع وزوج المانجة الثقيلان. استدارة وبروز مقعدتها.. أووف. ملامحها الأفريقية بمنخارها العريض وشفتيها الغليظتين وشعرها الأكرت. لونها القمحي الذي انحدر من جدها الصعيدي. خليط أعطاها تركيبة عارمة، صراحة يا دياب.. كنت أحلم بها. كانت عندي مثال للأنوثة، ومازالت.. لكن حبي كان لسعديه. نرجع مرجوعنا عن دفع الله. اللئيم يجدف بمجدافيه بدون ان يصدر صوتاً. حتى يكشف الأجمة التي تعودت آرجو أن تستحم فيها كل صباح باكر وهى تملأ جرة الماء.. فاجأها الملعون تستحم بالقميص الداخلي. أوووف..

-إيه يا سليم نفيسة? يا حر قلبك.. ابرز سجائرك يا مسكين.

-وثب عليها. احتضنها في النهر. انزلقت كالسمكة من بين يديه وصعدت إلى الضفة والمخبول يطاردها. امسكها فسقطا في الطين. تمرمغا. أحست بانه الأقوى فصرخت وعضته فصرخ هو أيضا. قامت معركة بين العائلتين.. أيوه. أنا شاهدتها بنفسي. تعرف يا دياب? كانت والمياه تبللها والطين يلطخها مثيرة.. كانت والله مثيرة يا رجل.. جدا جدا. أووف

-ياسلام، أكمل يا رجل، أكمل.

-قامت المعركة. لكن تصور من الذي دافع عنه وحماه?

– إي.. من يا سليم نفيسة

– آرجو!!!

-إهيء.. والله العظيم! أشعل.. أشعل يا شيخ.

-صاحت في الرجال.. ولد سكران تهجم علىّ. أعطيته جزاءه عضاً وتمزيقاً بأظافري. ضربته بركبتي في بطنه فمج ما في بطنه. خلاص.. انتهينا. أتشعلون معركة لأجل حركات ولد سكران?

نظرت لأبيها.. لوَّحت لامها..

-انتهينا يا ناس ولن نخسر ناسنا.

-شوف الكلام? يا سلام!

-وفى الموسم التالي زوجوها بالمرحوم. دفع الله طقّ من الغيظ وركبه العصبي. من أيامها غرق في السّكر تماماً. تزوج. طلق. تزوج مرة أخرى.. لم ينسها. طفش من الجزيرة كلها. ثم عاد بعد موت زوجته الثانية. الآن يعلنان شوقهما القديم علنا.. دي كلام?!

آرجو وهيرية جالستان مستندتان على جدار المضيفة المطل على الساحة. الظلام يحجبهما. آرجو تمسح دموعها وهيرية تربت على رأسها. لحق بهما دفع الله. قرفص قبالتهما ففاحت منه رائحة العرقى..

– وما سيكون من أمرنا يا آرجو?

– أمر الله يا دفع الله.

-مواسم انتظرك.

– أولادي وزوجي.

– اولادك اولادي وزوجك كان طيباً أميراً ويرحمه الله.

-يرحمه الله.

-والآن?

-..

-أتقدم إليك. تتزوجينني يا امرأة?

-..

تدخلت هيرية في عصبية..

-الم تفهم يا دفع الله? يا للرجال! لقد أعلنت موافقتها أمام الكل.

-اصمتي يا هيرية.

-لن اصمت يا آرجو. وأنت يا دفع الله، اذهب الآن واتركنا.

-أريد أجابة صريحة من آرجو.

– أخاف ان اغضب ابني كرمي يا دفع الله.

-لا تخافي منه يا وليّة. ابنك يريد حفيدتي نجميّة. ولن تصعد نجميّة على سريره الجريدي إلا عندما تصعد أمه إلى سريري.

دفعته هيرية من ركبتيه فسقط على مقعدته ضاحكاً.

– اذهب بكلامك الفاحش يا داعر.

دفع الله عائد إلى ساحة الرقص وهو يرقص. آرجو تتابع شبحه المبتعد باسمة. يضرب سليم نفيسة الرمال بقبضته غاضباً..

– انظر يا دياب، دفع الله عائد وهو يرقص مرحاً. أراهن على حماري يا دياب انه اتفق معها.

-فليتفقا وليتقيا إذن.

-ماذا?! ماذا تقول يا دياب بلّـوشى? إ ب ب ب ب!

-والله.. هو.. اقصد أصل الموضوع.. يعنى..

-ألا تعلم يا رجل أنى مللت من هيرية وأريد الزواج من آرجو?

-آهّاااا، إذن عيب عليه دفع الله هذا السكير. عيب عليه وعلى من أنجباه. ألا يوجد حياء خلاص? رجل قليل الأدب. والله!! يتزوجها? يا سلام!! قال يتزوجها قال. والله العظيم!

كاشفية العجوز وحيده في جلستها على بعد خطوات من الثنائي الساخط، توصد قلبها حتى لا يسخن ويهفو إلى الجمال الإيقاعي الراقص. تدّعى النعاس. لا تعجبها حيوية ناس الفرح وإلحاحهم على وردى ان يغنى لهم رائعة القَمَرْ بوبا. تلعنه في نفسها وهو أحب رجل عند ناس النوب! مطرب الشمس والقمر. تحنان سهلهم وكبرياء جبلهم. تغتاظ من صوته الذي يلين فيلمس ويهمس كمويجات بحر نيلهم. يسرع كهرولة جملهم. حسّه تليد كأنه راهب يرتل بين أهرامات الكرمل. رنّاته الشجية شجو منشدين مزارات الأولياء. مؤثر في أساه كالتراتيل السالفة في أديره وكنائس (فَرَسْ) وعندما يصهلل في المقامات العالية، يعطى رنّات دروع ورماح ونبال جيوش الفرعون النوب (ترهاقة) وهم هابطون شمالا عند تحفة تاج تراجان. أمّا بحته، فهي بحّة طفل مشاغب يخطف قلوب الصبايا.

ويضرب منيب على طنبوره مقدمة الأغنيات.. تن تتن.. تن تتن. فتهتاج صفوف النساء.. للي للي للي للي. ويفرح الأربعة الشداد.. بوم ببو بوم بوم. صلاة عليك يا مُهمد.. ديىْ ديىْ ديىْ ديىْ. أبشر يا وردى أبشر. زَتْ زَتْ زتْ زَتْ. ثم الهدوء ليعلو إيقاع الدفوف هادئة رائقة مع صفقات الكفوف.. بوم بوم .. تراك تراك.. بوم بوم.. تراك تراك.. ويغنى..

بوبا عليك تقيل..

يا قَمَرْ بوبا عليك تقيل..

فيــكَ روحــي وحُبـي إنِّما

ما بَسيبَن إن بقى في السَّمـا

ما بَخللـى النـاس تَظْلِمـا

روحـي فـي دربـك سايِمـا

يا غِــرق يـا جِيت حازمــا

يا قمــر بوبــا..

تراك تراك.. بوم بوم

 


 

*  نواصل 

** رابط الجزء الأول :

 http://nubokeen.com/web/%D8%BA%D8%B2%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84/

 

رابط الجزء الثاني : 

http://nubokeen.com/web/%D8%BA%D8%B2%D9%84%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D9%80%D9%80%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A/

 

رابط الجزء الثالث : 

http://nubokeen.com/web/%D8%BA%D8%B2%D9%84%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D9%80%D9%80%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB/

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1