الرئيسية / المقالات والتحليلات / غزليــة القمــر: الجزء الثالث

غزليــة القمــر: الجزء الثالث

ضمن فعاليات الذكرى الخامسة لوفاة فنان الشعب وردي تنشر "نبوكين" رواية غزلية القمر للروائي النوبي حجاج أدول، الذي تبرع مشكوراً بإعادة نشرها على صفحات نبوكين .
الرواية القصيرة  التي كتبها حجاج أدول في العام 1989م ميلادية ، استلهم شخصية البطل فيها من شخصية راحلنا العظيم محمد عثمان وردي، وأعتمد أسمه وصفته كمغني فيها، وإن كانت أحداث القصة في مكان وزمان مختلفين عن المكان والزمان الأصليين لوردي . 
القصة نشرت في مجموعة قصصية بنفس الاسم: غزلية القمر. عام 1996. عن دار الحضارة للنشر.

قصة: غزليــة القمــر
الجزء الثالث

 

 

أخذوه إلى المضيفة مع جوقته. لونه النحاسي يضيئه لؤلؤ أسنانه في بسمته الشهيرة. جلسوا. تربعوا وأمامهم الصوانى الفضية مترعة بالإدام وكتل اللحوم. أما صواني الخوص الملون فتحمل في بطنها الرحب الخبز والبلح والفشار والفاكهة. أكلوا ثم غسلوا الأيادي بماء الأباريق النحاسية. قال وردى..

– والآن.. اين العرقى? أم انتم البخلاء?

ضحك وفد الاستقبال. فهم يعرفون انه مولع بالعرقي وانه قبل أن يأتي، يقينا تجرع الكثير منه. لكن أنّـا له أن يرتوي من عرقي البلح، وأنّـا لعرقي البلح أن يطيح بوعيه وهو الشرِّيب المحنّك?

عثمان بعد أن تعشى في المضيفة مع الرجال، ذهب إلى بيت العُرس غاضباً. اتجه إلى المزيرة مدعياً العطش. ارتطم كتفه بخالته العجوز. نظرت إليه بعينيها الكليلتين..

-من? عثمان الجدي! ما الذي أتى بك هنا? ألا توجد مياه في المضيفة? تتحجج بالعطش وتأتينا لتراقب النساء? إ م م م م. ألن تهمد أبداً يا ابن فضيلة?

تجاهلها عثمان. عيناه تدوران بحثاً عن التي أغضبته. شريفة حُسنة تمر في الحوش. رأته هي الأخرى فأشاحت بوجهها في استهجان ورفض. عبس عثمان وألقى كوز الماء أرضا في تهديد ووعيد. ابتعدت شريفة حُسنة وهى تغمغم. يعرف انها تسبّه. فبادلها غمغمة بغمغمة.

-لعنة الله عليكن. ناقصات عقل ودين.

ملأ الكوز مرة أخرى وشرب.

– بعد العُرس، سوف أريها العين الحمراء. سأجعل وجهها يبكَ الدم من الضرب. فهن لا يفهمن إلا هذه اللغة.. طاخ طراخ.. طوخ.

شريفة حُسنة جلست في ركن من الحوش تغسل الأطباق بعد إطعام الفوج العشرين من الرجال. التفتت للمرأة التي تساعدها..

-نيلة على الرجال ومن تحن للرجال. إنهم أغبياء أولاد ستين في سبعين.

-هل أغضبك زوجك مرّة أخرى؟

– مرّة أخرى؟  قولي المرة المائة.. الألف. يريدنى الآن. حجته انه لا ينتعش ويبدع في الرقص إلا بعد فعل الحكاية! مجنون. سيجعلني اشق جلبابي واصرخ وسط الناس إبيوو- إبيو.

-كلهم مجانين. زوجي أنا محمود بن عبد الــ..

-كلهم?! لكن هذا العثمان زوجي أنشفهم رأساً وأحمقهم.

-لكنه طيب?! الدور والباقي على زوجي محمود بن عبد الــ..

-تقولي طيب?! والله بعد انتهاء العُرس سأتمنع أيضاً واجعله ينطح الجدار من الغيظ.

– ذا ما سوف افعله مع محمود بن عبد الــ..

-سأريه من تكون شريفة حُسنة. هذا التيس المتعنطز الذي لا يهمد.

أتى وردي أخيراً منتشياً مستعداً. اذن.. سيبدأ الإبداع حقاً وسبحان البديع المطلق.. للي للي للي للي.. توم – تكا – توم – تاك. بوم ببو بوم بوم.. صلاة عليك يا مُهمد. ديىْ ديىْ ديىْ ديىْ .

-تود وردى باسطيبو.

-يا اوااحد.

-عريس عروسة باسطيبو.

– يا وااحد.

يغنى وردي وخلفه جوقة الشباب بزعامة مطربا الأيام القادمة منير والكاشف. تتغنَى الجموع المتراصة صفوفاً وهى تتكوّن وتتلوّن. تعطيه وتأخذ منه. تشجيه ويشجيها. تحييه ويحييها.

فضل غنائنا ان الكل يغنى. وعدالة رقصنا ان الكل يرقص. ورحمة إبداعاتنا ان الكل يبدع ويحقق ذاته كما يشاء كيف يشاء. والإيقاع الواحد الساخن بدفوف الشُدَاد يلم شتات الكل ليجعل منهم بحراً. أمواج تتصاعد وأمواج هابطة. مُوَيْجات أفقية هنا وتسحبات حلزونية هناك. على السطح اتجاه وتيارات تحتية في اتجاه. دوامات تفور متوازية ودوامات تدور هيِّنة ليّنة. المهم ان كلها إيقاع واحد، نسيج واحد، معزوفة متجانسة. يغلفها دقات فرقة الدفوف ومتتاليات صفقات الكفوف.

نصف القمر يسبح صاعداً إلى قبة السماء البنفسجية الداكنة. اشترك من عَلٍ بنور فضته فى إضاءة الساحة مع أنوار الكلوبات الذهبية. كاشفية تربعت على كثيب قريب من ساحة الرمال الحريرية. وحيدة تراقب حفيدتها سَمحة التي دخلت الحلبة وعلى صدرها حلية الجمر بوبا لأول مرة.. للي للي للي للي.. توم – تكا – توم – تاك. تدور في هدوء ظبي يتريض. لمحها وردى. ابتسم ففرحت طنبورة منيب. الأجساد تترفق في اهتزازات خفيفة مريحة حتى ينتهي الطوال الأربعة من تسخين الدفوف على نيران صغيرة أشعلوها. فتجسدت رنّات طنبورة منيب.. تتن تتن تن. لم ينتظر وردي ضربات الدفوف. في بطء وعينيه قد تركزتا على البنت الحلوة، الزهرة التي توشك على النضج والتي دخلت الحلبة تتراقص مع إحدى أترابها وقصة من شعرها تتواثب على الجبهة ولا تستقر. سَمحة على الرمال فراشة تطير. التوب الرقيق شرباتي اللون. مع سرعة حركاتها ومناوراتها الانسيابية، يهفهف ويلتف ثم يعتدل ليتلوّى حلزونيا لينسدل لحظة كأنه يسترد أنفاسه ليعود واثبا يتبع جسد صاحبته الرشيق رشاقة يظن معها انه بُني بدون عظام. ينساب خيالاً يكاد يتجسد ولا يتجسد. انزلق التوب من أعلى الرأس ليكشف تاج الشعر الأسود المجدول ضفائر مدهونة. دخل وردي يراقصها في الحلبة. انسحبت زميلتها.. للي للي للي للي. صلاة عليك يا مهمد. ديىْ ديىْ ديىْ ديىْ. بوم ببو بوم بوم.. وردي وسَمحة انفردا في الحلبة يتقابلان في سلاسة وحركات الأقدام السريعة. يتغازلان بالحركة ويتقابلان في حبور. يجوبان الحلبة كذئب شبعان يلعب وغزال رشيق مطمئن. وضع يده على كتفها. انضما سوياً كتفا بكتف. في خطوات متوحدة متناسقة. مخلوق خرافي يرقص على أربعة ارحل وجذع منتصب بلونين. له رأسان، رأس بعمامة نهارية ورأس بضفائر ليلية. يدور، يقتحم، يتقهقر على الأنغام والدقات. نور الكلوبات خافت وفي ضوء القمر نفحات لجينية خفيفة. أخوات العروسين وأمهاتهما ينثرن رذاذ العطور على الجموع الجذلة. أخو سَمحة فرح. حماها مرح. جدتها من بعيد تكبت اهتزازات بدنها بصعوبة وهى مقعية على الرمال الحريرية. وردي لا يغار منه رجل. فكل رجل يتمثل فيه. وهو يمثل كل الرجال. يتذوق الجمال والجمال يتذوقه. هو أنموذج الجنوبي النوبي الراقص القائظ.

يعقوب من عُمْر كرار. آت على ركوبته وحيداً متأخراً على غير عادته. تعمد ان يصعد متخللا بيوت النجع الساكنة بدلا من ان يسير مستقيماً ناحية ساحة الأعراس. توقف أمام بيت صامت خامد. هبط من على ركوبته. تقدم. وقف أمام الباب قليلاً. دخل. قرأ الفاتحة على والديه. فهنا تربى وشب. في الحوش الباردة رماله، تمددت النخلة العجوز منفصلة من أسفل جذعها المقصوم. أسقطوها ظُهر اليوم بعدّة ضربات بالبلط. ماتت من مواسم. ولما أحسوا بالخوف من احتمال سقوطها على حجرات البيت، ذبحوها وهى جثة منتصبة. سقطت أرضاً وتعلق بعض جريدها الأصفر بالسور، فبدت رغم قصمها وكأنها تريد أن تتساند عليه لتنهض مرة أخرى وتقف وقفتها الشامخة كما كانت تتوسط الحوش وتحرس الدار. تعطى ناسه مزيدا من الخيرات لأجيال آتية. تظللهم. يتسلقها جيل من بعد جيل من الرجال يحصدون سباطات بلحها المبارك.

نظر إليها يعقوب في أسى. كم تسلقها مواسم بعد مواسم. لحم أكتافه من لحمها. جزء من مهر زوجته أم الأولاد، تكاليف عرسه من ثمارها. طعام أولاده، كسوتهم، تحية الضيوف التمرية من حصادها. الآن.. بيديه هاتين اللتين تناولتا من صدرها الثمار.. بنفس هاتين اليدين.. ضربها بالبلطة فناح جذعها وتمزقت صريخاً فهوت أرضا.آه.آه. ما يقلل من حرقته وحزنه عليها وعلى ما جناه، انها كانت ميتة فلم تشعر بضربات بلطة عاشقها. يصبر نفسه قائلاً.. وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها? مسح دمعتين، دخل غرفة من أنجباه. ثم بقى فيها دقائق طويلة. خرج ليدخل حجرة أخيه وزوجة أخيه ثم حجرة أولادهما. مسح دموعه وهو يدعو لهم بالرزق والعودة إلى جزيرتهم بسلام. فهنا بيت العائلة الذي تزوج فيه أخوه الأصغر وأنجب ذريته. الآن رحل بعائلته الصغيرة بحثا عن رزق أوفر في الشمال. عاد يعقوب إلى الحوش. جلس على الرمال أمام النخلة يداعب جريدها ويربت عليه. يقلب عينيه في الدار التي لم تكن تهمد فيها الحركة أبداً.. الآن أصبح يسكنها صمت كصمت القبور. إيه يا أيامنا إيه.. ومن يدرى بعدما أموت.. هل سيرحل أبنائي أنا ايضاً ويتركون دارى التي بنيتها على طرف الجزيرة وربيتهم فيها فتصمت كالقبور? على حماره يسرع. وفى مكان خلى من جدران البيوت، نظر بعيدا حيث يغيب تل الجبانة في الظلام..

-سامحوهم يا إسلافنا الطيبين. أصبحت حياتنا صعبة صعبة.

تقدم الليل، القمر مرآة فضية. الجبال من بعيد تبدو كخيالات لدنة تثاقلت فارتاحت على الأرض. إن قذفتها بحجر يؤذيها، يخترق جسدها الهلامي ناثراً منها ذرات كثافتها بين السائل والبخار. بحر النيل حولهم، عرضة عرضان مياهه تلقى السلام على ناس السلام وهى تجرى متدفقة إلى الشمال في إصرار. أدغال النخيل وأشجار السنط والكافور، أشجار البرتقال والليمون وكروم العنب، كلها في غموض مستحب غافلة في نعاس يحرسها النيل الطويل وقد أحاط الماء بصفوفها الأمامية وصعد إلى ربعها الأدنى. النجع القريب خلف ناس الجزيرة الذين ملأوا ساحة العرس، جدران بيوته تلمع في أعلاها الأطباق الخزفية كعيون لكائنات أسطورية لا تنام.


 

*  نواصل 

** رابط الجزء الأول :

 http://nubokeen.com/web/%D8%BA%D8%B2%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84/

 

رباط الجزء الثاني : 

http://nubokeen.com/web/%D8%BA%D8%B2%D9%84%D9%8A%D9%80%D9%80%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D9%80%D9%80%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A/

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1