عصرية

جلسا سوياً تحت ظل البركاوية المتاخمة للقنطرة ،، أو الكبري كما نسميها… ووقف حمزة بعيداً عنهما يفتح السبلوقات ليسقي الجنائن الثلاث التي كان مسئولاً عنها،، مشغولاً بطوريته ووحدته عن الأصوات المرتفعة للرجلين العجوزين تحت النخلة..

كان صوت العم حاكم يصل إليه مرتفعاً جداً إلى الدرجة التي تشعره بالتوتر…كان بينهما عداء سافر منذ أن طرد حاكم معسكر الحلب الذين كانوا ينزلون سنوياً جوار منزل حمزة، وكان ذلك يسعده ،، فقد كان غريب الأطوار إلى حد ما..لم يكن يهتم بالأمور الاجتماعية ومشاركة الرجال في تجمعاتهم وأحاديثهم في المسيد كما هي عادة الجميع..لا يشارك في الأعراس، وأول المغادرين في الوفيات،بينما العادة أن يظل رجال القرية في مسيد العزاء حتى انصراف آخر ضيف..تزوج أكثر من ثلاث مرات ولم يوفق معهن..وكان الحلب هم جلساؤه وآنسيه.. يسعد بهم ويستعين بهم علي إصلاح حاجياته القديمة ويساعدونه في نظافة حقوله بمقابل أو بلا مقابل.. فكان موسم البلح هو أسعد أيامه معهم فهم لا يأتون قريتنا إلا ذلك الحين…وحين طردهم حاكم بعد إتهامهم بكسر الزير الوحيد في سبيل خالته فرحين، وأجبرهم علي المغادرة دون عودة قادمة.. متهماً إياهم بالنحس وأنهم السبب في إفقار بيت النبي… ذعر المعسكر كله من الاتهام وحاولوا تبرئة أنفسهم، ولكن لا أحد يستمع لغرباء الأرض في بلادي ..

ومن يومها وحمزة عدو لدود لحاكم ؛ رغم أنف وشائج القربى والدم..

وربما لهذا السبب، كان يزداد توتراً كلما وصله صوت ذلك «العجوز »كما يسميه ..

وعلي الجانب الآخر،لم يكن حاكم يبالي بحمزة أو بمكنونات قلبه من كراهية،،وينظر إليه نظرته لرجل أحمق وشاذ…ودون أن يوليه أقل اهتمام، توجه بكليته للعم صالح يتبادلان معا الشكوى والتذمر والأنس والضحك.. آلام الغضروف،، قلة محصول البلح،، زواج إبنته،، وعزوف ابنه الصغير عن العمل في الزراعة وسفره إلى حلفا للعمل في الميناء ،،

والدميرة التي تنذر بالفيضان الكبير هذا العام وخوفه علي نخلاته القريبة من النهر…إذ كيف سيحصدها إذا ما حاصرتها المياه ؟

ويحدثه عم صالح عن شجرة المانجو التي يعيث فيها الأطفال فسادا كل عام؛ ولا أحد يقف معه ويمنعهم،، ومنزله الذي كاد أن يتهدم؛ بينما ابنه المتغرب في«بلد النبي» لا يبالي..ورغبته في الزواج مرة أخرى بعد وفاة زوجته.. أولاده يسخرون منه  ويتهمونه بالتصابي دون أن يهتموا بحاجته لإمرأة يتوكأ عليها ما بقي له من عمر..

يرتفع صوتهما أكثر؛عندما يتعلق الأمر بوابور المشروع الذي أفقرهم بدلاً من أن يخضر أرضهم وجيوبهم،، ويحملون الجميع مسئوليته بلا إستثناء..بداية من مسئولي المشروع بالقرية؛وإنتهاء بدنقلا العاصمة…

يخفت الجدل بانخفاض الشمس نحو مغربها…عليهما أن يفترقا كل لبيته…يقود حاكم درداقته الممتلئة بالبرسيم؛عائداً إلى غنمه..ويهز عم صالح عصاه بين يديه ليحفظ بها توازن خطوه نحو منزله في الجزيرة…

يراقبهما حمزة وهما يبتعدان،،يتنفس بعمق وكأن ثقلاً قد إنزاح تواً عن صدره…وينحني مرة أخرى علي طوريته وإنسياب جدوله الصغير…

ومن خلفه تماماً يرتكز جبل عيسي علي مساحة واسعة من الأرض،،يتكئ علي النهر،ويراقب الأحداث حوله،ويستمع لهمسات النوايا في صمت الآلهة..تطمئنه المانجو بأنها بخير طالما أن الأطفال هم زوارها الدائمون،،وتشدو نخيل الجنائن بلحن الارتواء والرضا وهي تحتضن أعشاش الطيور التي بدت رحلات أوبتها لدفء المأوى ..

.

.

ربما تتسع سماوات المجرة حين تميل فوق نجوم بلادي،، أو ربما هي الإلفة والود العميق الذي يسكن قلوب أهلي؛تمتد حتى تتعلق بأسباب السماء،، وربما، وربما، وربما… لكنها هي بلادي التي لا تعرف الإكتفاء من المجد والسمو..

تعليق واحد

  1. تسلمي اختنا تاتا بنت عقيل بن عبد الحميد ،، دائما متحفنا بي قفشاتكي الجميلة عن المنطقة وانسانها

    واصلي ربنا يحفظكي ،، وعليكي الاحتفاظ بي كتابتكي ،،

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1