ضحيان : الجزء 2

رابط الجزء الأول  : http://nubokeen.com/web/%D8%B6%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-1/

كان يتحدث بهدوء .. عباراته محسوبة بدقة.. يوزع نظراته بين الحضور وكأنه يخبرنا عن موقع كل منهم من إتخاذ القرار.. ثم يثبت نظره علينا حين يأتي على المطالب.. لا أدري كيف قفزت هذه العبارة الي رأسي "شباب مكتهلون في شبابهم".. استمعت بحرص لاداركي أن كل كلمة لها موقعها المقصود تماما.. كنت أقاطعه بين الفينة والأخرى لأترجم لجوين.. أكمل حديثه ثم إبتسم إبتسامة سرعان ما مسحتها قسمات وجهه الحادة وهو يشير إلي بالحديث.. سألته إن كان زمنه يسمح بحديث مستفيض.. فاللقاءات الأولى مهمة جداً لشرح المرتكزات الأساسية لأي إتفاق والتفاصيل التي تأتي لاحقاً يجب ألا تخرج من إطار الاتفاق الأول.. أدار بصره بين الحضور وكأنه يستأذنهم في وقتهم قبل أن يقول .. خذي وقتك.. تجاوزنا الساعة بقليل ونحن نناقش طبيعة العمل وجوانب الخدمات الطبية التي يمكننا تقديمها في ظل ظروف كهذه.. ساعات العمل وحركة الفريق الطبي من والي المدينة.. أولوية الخدمات للنساء والأطفال وتوفير نقل الحالات الحرجة. توقفنا في كل نقطة وبدت نقاط الاتفاق هي الغالبة بينما ظلت نقطة أو أوإثنتين محل خلاف. إنتهى الاجتماع برضا عام وطلبنا الإذن بالانصراف.. تقدمنا نحو الباب وسأل قبل أن نغادر.. أواثقون من موافقة الحكومة على هذا الأمر؟ حرصت على النظر مباشرة في عينيه وانا أقول باقتضاب.. لا يفاوض الغريب دون إذن.

غادرنا المنزل نحو السيارة التي اقلتنا عابرة ذات الطريق نحو الطلح.. إحتفظنا أنا وجوين بصمتنا وإن كانت أفكاري هذه المرة تأخذني للساعات القليلة الماضية وما حملته من أحداث.. هذه ضحيان إذن.. مدينة القصص والموت والتحدي.. تقفز من ذهني لتستقر على رقعة جغرافية وتتحول بيوتا وآثار دمار.. نساء وأطفال ومقاتلين.. حقيقة أقوى من قصص سمعتها منذ وصولي لصعدة..

وصلنا الطلح مرة أخرى وكان يحي بانتظارنا.. تهللت تقاطيع وجهه عندما رآنا وكأننا عائدتان من سفر طويل..

مضى شهر على هذه الزيارة قبل أن تنتصب خيام المركز الصحي في فناء الملعب القديم بالمدينة.. امتلأت مقاعد الانتظار بالمرضى نساء وأطفال وكهول.. يبدأ الفريق الطبي العمل منذ الثامنة صباحا ويغادر المدينة عند الخامسة.. كل يوم قصة وتحدي.. نقاشات ومفاوضات حول التفاصيل الصغيرة والتي تكبر أو تختفي حسب الحال والظروف.. مضت الشهور سريعاً في غمرة العمل .. حتى بدأت الحرب مرة أخرى.. بدأ القصف.. ولم يستثني المركز الصحي.. غادرنا ضحيان كما جئناها أول مرة.. غرباء نتساءل عما يجري وعما يمكننا فعله في حرب تسلبك اي مساحة للعمل.. نتساءل عن خياراتنا إن كانت هناك خيارات.. ننظر خلفنا في حسرة وقد ضاع بلحظات كل شئ .. ولا ندري إن كان كافياً أن نقنع من الغنيمة بالاياب..

حتى الحروب لها قواعد وأخلاقيات.. هكذا اخبرونا ونحن نقرأ القانون الدولي الإنساني.. من ضمن هذه القواعد والاخلاقيات أن تظل المستشفيات والمراكز الطبية في مأمن من الإعتداء والقصف.. في الحروب التي توالت علي اليمن .. ثم الحرب في سوريا والصومال وأفغانستان.. ظلت المستشفيات والمراكز الطبية تعامل وكأنها أهداف مشروعة.. فقدنا العديد من الزملاء والمرضى.. بعضهم قتل داخل غرف العمليات وفي أسرة التمريض أو غرف الطوارئ.. بدت الآذان كأنها صماء ونحن نصرخ.. لسنا هدفاً.. المرضى و المستشفيات والفرق الطبية وسيارات الإسعاف لا يمكن أن تكون يوماً هدفاً مشروعاً.. لا توجد حروب نظيفة أو محترمة.. لكن الإستهداف المتعمد للمدنيين يجعل وصف القذارة يتواضع أمامها..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1