الرئيسية / المقالات والتحليلات / صبار : ما دفناك لكنا بذرناك

صبار : ما دفناك لكنا بذرناك

 أي صوت (صاغ) بالأمس خيالي
صبار : ما دفناك لكنا بذرناك

طوال الطريق لمطار الخرطوم وجدت نفسي متأملا" بل غارقا" في ذكريات كثيرة تقاسمتها مع نفر أعزاء بمعية الراحل المقيم صبار .
سنوات التسعينات بصلفها وشراستها … عنفها ويقين الناس بسنوات الخصب .. جدل المغامرين ودجل السلطة … نهارات اللظي … توهج القضايا … مسارب الضي التي كانت تضيئ ظلمات الأمكنة . 
صبار ِ.. الطبيب الإنسان … جيفارا النوبيين … ملاذ الجامعات السودانية والروابط حين يكون المقام مقام المطالب والغوص في تواريخ البلاد .
مطار الخرطوم 
الخامسة والنصف .. صالة المغادرة : 
لا أدري ما الحكمة في أن يستقبل المشيعين جثامين الآتين من الخارج عبر هذه الصالة تحديدا" … هناك منذ أعوام إستقبلنا الفارس نقد …. تصر الخرطوم أن تستقبل أبنائها البررة من هناك …. يدخل نقد من صالة المغادرة ليحتضن ثري فاروق … يدخل فاروق من ذات البوابة ليحتضن ثري فاروق .. يأتي صبار من ذات البوابة ليحضتن البلاد كلها في شبر بمقابر فاروق .
تأملت كل ذلك وأنا أنهب شارع الهوا نهبا" في طريقي لمطار الخرطوم حيث يعود علي طائرة الخامسة والنصف وجيع البلاد الدكتور عبدالحليم صبار معززا" مكرما" في تابوت خشبي .
إشارات المرور إمتلأت بمواطنين عاديين … سمر الوجوه …. لعب الطقس وتصاريف زمانهم بهذه الوجوه ألاعيبه حتي بدوا كأشلاء تتحرك بغير هدي …. باعة الدرداقات يعبئون قصب السكر في اكياس بجنيه واتنين جنيه في انتظار أرزاقهم كيفما كانت حركة المرور … أحمر … أخدر … برتقالي … لا يهم … المهم أن رزقا" ما آت لا محال .
عندما يعود صبار لن يتثني له علي الإطلاق الوقوف في (لفة جوبا) إنتظارا" لمواصلات الِجريف … الحاج يوسف … التأمل في هذا الحاصل الذي تدمي له القلوب … ستحضر يا صبار في صندوق خشبي … سيغطيه رفاق الأمس بعلم السودان الأحمر بي اخدر واسود داك … سيبكي كثيرون وهم يتقافزون كما الأرانب سوء حظ هذا السودان … سيمشي في جنازتك نفر والله لا علاقة خاصة لك معهم سوي أنهم وجدوا فيك حلمهم القاسي الصعب العنيد .
لن يتثني لك مخاطبة هذا الجمع الأليم … لغة ما ستتوفر … هم سيخاطبوك .. سيعلنون عن حبهم وولائهم لك … بودهم في هذا المساء لو قايضوك بعمرهم … خذ نصف العمر وأمضي … كل العمر … يا صبار .
أفتح نافذة العربة فيما عربة الإسعاف تولول وتكورك … يسألني بتاع (موتر كدا) يا ابو الشباب الجثمان ده ماشي وين ؟ 
أغلق نافذة العمر ولا أجيب
ثم ياخ باللهي عليك ده إسمو كلام ؟ إمتلأ الشارع بالحضور … الجرجار … الجلاليب … العمائم … الكواريك .. يازول هوووي … الخرطوم قد تهمد … قد تنام وعلي عيناها الرمد لكنها وفية تجاه من أتوا البلاد بقلب سليم وأنت يا صبار كنت تميمة هذي البلاد وخاتنك لي عوزة لكنها الأقدار قسم .


عزائي للعمل  وللأمل العام


خضر حسين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1