ستون(21) : الخرطوم

مذكرات الأستاذ عبدالله موسى في ستينيته :

ستون(21) الخرطوم

(وليس لإبن الإنسان مكان يضع فيه رأسه…) المسيح


كان إيجاد السكن لنا هماُ لأبوعلي وعم أحمد وقد اقترح علينا الأخير أحد ثلاثة خيارات : أن نسكن عنده أو بغرفة بفندقه أو بمزرعته بالمسعودية ولكننا فضلنا أن نبقى مع زملاءنا من البورت وشكرناه واعتذرنا
كنا في أواخر سبتمبر 74وقد أصبح موضوعنا محور إهتمام إدارة المدرسة حتى وجد لنا أحد المدربين منزلاً بمربع 40بالصحافة على شارع مدني بايجار وقدره تسعة جنيهات في الشهر وكنا قد تقلصنا الى ستة بعد رحيل حسن إلى أهله بالدروشاب ويسين حبوب إلى بحري وبقينا أنا وأبو السيد وأحمد حامد وابراهيم حامد وعوض أحمد عوض الكريم ومحمد نور كرار
كان المنزل عبارة عن غرفتين واحدة تطل على الشارع وأخرى وسط الحوش ومطبخ متداع وحمامات 
لم يكن حي أركويت قد قام بعد وكان موقعه غابات سيئة السمعة تأوي اللصوص والقتلة . والطريف أننا كنا نتناول الافطار ببوفيه المركز والغداء بكشك جوار مقابر فاروق يديره أحد أبناء البجا من أهلنا البني عامر وكنا نسير في رحلة الذهاب والعودة مايعادل الخمسة كيلومترات عبر منطقة خالية من المساكن بين الإمتداد والصحافة (آنذاك) 
بعد فترة رحلنا من ذلك المنزل إلى آخر يشبهه في قلب الصحافة بمربع 33وكنا بيت العزاب الوحيد بالشارع الذي كان حصرياً على أهلنا الدناقلة مما جعلنا موضع ريبة من شباب الحي الذين أرسلوا إلينا وفداً مع حزمة من المحظورات أهمها غض البصر عن بنات الحي وإغلاق نوافذ الشارع تماماً وو ..
وبالرغم من شعور زملائي بالاستفزاز من أسلوب شباب الحي إلا أنني قبلت توجيهاتهم وأكدت لهم أننا سنكون نعم الجيران لهم ومع ذلك بقي الشباب ينظرون إلينا شذراً ووزعوا أنفسهم ورديات عند عمود النور المجاور لمنزلنا الناصية وهم يراقبوننا 
وفجأة حصل أمر غير الوضع تماما فذات خميس وأنا وحدي بالمنزل منهمك بالقراءة إذ سمعت طرقاً على الباب وما أن فتحته حتى دخل شابان يسندان زميلاً لهما يبدو عليه الاعياء وهم يطلبون مني إغلاق الباب بسرعة وبالرغم من خوفي من أن يكون الأمر كميناً إلا أنني نفذت طلبهم ثم إصطحبتهم إلى غرفتي الداخلية وإكتشفت بفزع أن ثالثهم سكران لايقوى على الوقوف .
شرح لي الشباب المشكلة فوالد الشاب وهو خفير حكومي صارم نصب نفسه زعيماً للحي وسيقتل الولد إن إكتشف سكره وطلبوا مني إستضافة الشاب حتى الصباح والحرص على ألا يعرف والده وجوده بهذه الحالة 
وبالرغم من كراهيتي التاريخية للخمر فانني إستجبت لهم وتنازلت عن سريري للشاب وأغلقت الباب باحكام خلفهم وجلست وأنا أفكر بفزع في المصيبة التي أدخلت نفسي فيها..
لم تمر ساعة حتى سمعت طرقاً على الباب فهمست برعب وأنا أرخي أذني ..مييين…فرد على صوت نسائي أفتح ياولدي أنا أم فلان المعاك…ماذا أفعل فقد حزروني من الأب ولم يشر أحدهم إلى الوالدة فتوكلت على الله وفتحت الباب فدخلت السيده ونظرت إلى إبنها حزينة وهي تهمس بلهجة نوبية ..الله يلعن الشراب وسنينو…وقدمت لي صحناً مغطى وطلبت مني أن أتعشى وأن أخفي إبنها من عيون والده 
رفضت العشاء وطمأنتها خيراً
بعد خروجها بفترة غير طويلة سمعت طرقاً داوياً على الباب …ميييين …أنا عمك فلان ….جاك الموت يا تارك الصلاة يبدو أن الوالد المرعب قد وصل وإن لم أفتح سيرتاب أكثر
فتحت الباب متظاهراً بالنعاس فسألني الرجل وهو يبحث بعينيه فلان ولدى معاكم ..فقلت له إنني لا أعرف أسماء الشباب وإنني نائم لوحدي بالمنزل فزملائي ذهبوا إلى مناسبة عرس..
نظر الي الرجل مرتاباً وسألني بغلظة ..هل تقسم على ذلك .تحيرت فعلا فوالدي كان يوصيني بأن الكذب حرام إلا كذب يصلح به بين الرجل وأهله ..طيب نعمل ايه في الرجل وإبنه…فاقسمت له وذهب الرجل .
.في الصباح زارني شقيق الشاب الأصغر ومعه الشاي باللبن واللقيمات وملابس فادخلنا الشاب الحمام ثم شربنا الشاي وتعارفنا وخرج
بعد ذلك عاد إلي أصدقاء الشاب وظبطنا معاً فولاً مصلحاً وسقطت الحواجز بيننا
وبمرور الأيام أصبحناجزءاً من الحي ودخلت شلتنا في برامج شباب الحي وخاصة في الخميسات
وبالرغم من ذلك ظللنا منضبطين بالقواعد العامة لبيوت العزاب.. ولكن لم يمنع كل ذلك صديقنا ابراهيم من أن يحب إحدى فتيات الشارع وهي عجفاء سمراء وضعتها بنات الحي خارج المنافسة وغرام أبو خليل بها كان غريباً جعله مصدراً لسخريات أحمد حامد 
فمن أجل عينيها ترك ابراهيم الترحيل وأصبح ينتظرها بمحطة البص ويحرص على الركوب أمامها لكي يقوم بدفع قيمة التذكرة لها وعندما يقول الكمساري للبنية الحساب خالص من الأخ داك تحني رأ سها شاكره فيستخف الفرح بأبو خليل إلى حد بعيد 
وقد أقسم لي أحمد أن علاقة ابراهيم الافلاطونية لم تتجاوز تلك المحطة أبداً..
كانت الأحوال الاقتصادية رخية وقد أجرينا تعديلاً في برامج التغذية بأن فتحنا حساباً بكشك آخر بالحي لوجبة الغداء وأما العشاء فكنا نتناول الفول وبعده الحليب ببلح الشام وكله تحت الحساب وحتى لو تأخرت اعانتنا لشهرين فلم نكن نواجه مشكلة في الجرورة والوجبات كانت على كل حال رخيصة القيمة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1