الرئيسية / المقالات والتحليلات / رحلوا رمزاً إثر رمز (2)

رحلوا رمزاً إثر رمز (2)

و أنا أتأهّب للوقوف مغادراً بعد معاودته فى مشفاه تنازعتنى مشاعر عدّة .. شيء ما فى داخلى كان يلجم خطاي عن الحركة جف ريقى و تصببت عرقاً وازدادت نبضاتى وكأن قلبى نوي أن ينتفض منخلعاً من مكانه وكدت أقرّر ان لا أغادر. هاتف ما يهمس  ان أجلس إليه اكثر وهاتف آخر يدعونى أن أعانق الرجل وأطلق العنان لدمع احتبس بالمحجر تغلّبت على مشاعرى تلك كي لا أزيد من هواجسه فعيناه كانت تحكى دواخله  لم أجالس أسرته خارج الغرفة كثيراً كي لا تخذلنى مشاعرى .
جلست الى مقود السيارة و أطلقت لدموعى الحرية بكيت محمود وهو ما زال حيّاً لأنّ النّفس كانت تؤكد ان زيارتى تلك هو اللقاء الأخير .
الأستاذ محمود يحيى كان رمزاً من رموز تبج بل كان رمزاً نوبيّاً ذو مذاق خاص.
كان إنساناً هادئاً ورغم هدوئه كان يملأ المجلس الذى يجالس ضجة من الفرح والإنشراح مجلس فيه محمود كان لا يملّ مهما طال فالرجل كان صاحب نكتة وسرعة بديهة ومتعدد المواهب
محمود يحيى كان رمزاً من صلب رمز والده المرحوم الشيخ يحيى محمود هو الذى علم ابناء جيلى والأجيال السّابقة واللّاحقة فى قريتنا تبج القراءة والكتابة وحفظ القرآن فى الخلوة الاشهر كنا نلتحق بالمدارس ولا نتعلم جديدا حتى الصف الثالث من المدارس الإبتدائية .
الراحل كان مسرحيّاً من الطراز المجيد ولو وجد الرّعاية والإهتمام وسلك هذا الدرب من الفنون اخاله بزّ الجميع فى هذا المجال.
كان يجيد لعب كرة القدم بارعاً فيها .
الرّاحل محمود كان شاعراً نوبيّاً لا يجارى  رفد مكتبة الفن النوبى بالكثير من القصائد النوبية ويعتبر فى هذا المجال  من كوكبة الشعراء النوبيين الذى أخرجوا الشعر النوبى من نمطيته التى إهتمّت بوصف المحبوبة فقط غنى له الفنان النوبى المجيد محمد عبد الرحمن أغنيتين هي الأشهر عند هذا الفنّان .
عمل الرّاحل معلّماً بمدارس الأساس و وجد الإحترام والقبول من جميع زملائه وتلاميذه لشخصيّته القويّة وحضوره الطاغى .
عمل إداريّاً فى مكتب تعليم عبرى وهذه كانت مهمة شاقّة وعسيرة وذلك لأنّ كل المعلّمين والمعلّمات يفضلون التدريس فى مدرسة القرية وكل القرى فيها أساتذة من الجنسين أكثر عدداً من قوّة مدرسة القرية فكانت عمليّة توزيع وتنقّلات الأساتذة أشبه بلعبة الكراسى وكشف التنقّلات يثير حفيظة معظم الأساتذة .
أدار الرّاحل هذه المهمّة الشّاقة بخبرة واقتدار وكان يمتصُّ غضب الغاضبين بحسم ولطف
بقى ان نقول أنّ الرّاحل كان من عاشقى البلد لا يغادرها إلّا الضّرورة القصوى وسرعان ما كان يعود. هو كما على سليم وكما حسن أريا الذين رحلوا رمزاً إثر رمز نقول كما قال وردى 
إرم منّا ويدا اقر اوركيلّا أمن مولو فيومى
سنفتقدك كثيراً أبا عبدالرحمن ويفتقدك أكثر أسرتك و أهلك فى تبج وستحدث برحيلك فراغاً لا يُملأ لكنّه الموت الحقّ والقدر الذى نؤمن به
رحمك الله أبا محمّد وأنزلك جنانه مع الصّدّيقين والشُّهداء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1