الرئيسية / المقالات والتحليلات / دنقلا التاريخ : الأرض والإنسان , الحاضر والمستقبل

دنقلا التاريخ : الأرض والإنسان , الحاضر والمستقبل

دنقلا التاريخ : الأرض والإنسان , الحاضر والمستقبل : مجموعة كتابات تحاول إلقاء الضوء على قضايا منطقة دنقلا* .

أولاً أشير لأن دنقلا المقصودة هنا ليست مدينة دنقلا فقط إنما كل المنطقة المسماة تاريخياً بمناطق الدناقلة والتي تعرف بسكانها إنتساباً .. فالمنطقة تعرف بأنها مناطق الدناقلة .. بينما الدناقلة يعرفون بأنهم سكان دنقلا .. هذه التعريفة الشائكة قليلاً تفسر أن سكان المنطقة والمنطقة بذاتها ليست جزءاً قبلياً بالمعنى المعروف والمتداول فالدناقلة وإن عرفوا كجزء من النسيج النوبي القديم إلا أن التقسيمة الداخلية بين مكونات النوبية نفسها قسمت على الأغلب لتباينات مناطقية وبالدرجة الثانية لتباينات لغوية . مناطق النوبيين المعروفة في السودان تاريخياً قسمت إدارياً لمناطق دنقلا – المحس – السكوت – حلفا . وهي كما هو واضح ومتداول تسميات تبعاً لأسماء المناطق وليست تقسيمات أثنية أو لغوية كما أكثر في مناطق المحس – السكوت – حلفا ذات اللغة الواحدة .. علماً أن التقسيمات الأثنية لا تتوافر لها عوامل واضحة التباين . وقد أشار لهذه المعلومات العالم الأمريكي ويليام آدمز صاحب سفر النوبة رواق إفريقيا فقد ذكر أن النوبيين لم يعرفوا عبر التاريخ الشكل القبلي التقليدي بل أنهم بدأوا تطور الإدارة بشكل دولة مدنية تماماً .. عليه فالقول الرائج عند البعض بتقسيم تلك المناطق أو إطلاق لفظة قبيلة على الدناقلة أو المحس إنما قول غير صحيح تماماً .

عوداً إلى التسمية أقول أن نسبة المنطقة إنما تعود لمدينة دنقلا ( العجوز ) التي كانت عاصمة الدولة المسيحية الثانية من ناحية الشمال وهي مقراتيا أو المقرة وليست مرتبطة بمدينة دنقلا المعروفة حالياً والتي كانت تعرف بدنقلا العرضي ( الأردي ) بضم العين أو الألف في نطقها الصحيح عند أهلها الدناقلة . فمدينة دنقلا الأردي هي مدينة حديثة تماماً أنشئن وكبرت في العهد التركي كما تقول أكثر الروايات رواجاً وقرباً للمنطق . وأشتهرت بعد أن تم تحويل المركز الإداري إليها من أرقو والتي كانت المركز الإداري في المنطقة ثم صارت دنقلا عاصمة للمحافظة التي سميت باسمها ومن ثم عاصمة للولاية الشمالية .

تتميز منطقة دنقلا وعاصمتها بتنوع أثني ثر يجوز أن ننظر إليها كسودان مصغر فرغم أن الدناقلة أصحاب الإسم والتاريخ يمثلون أغلبية سكانها بالفعل إلا أن تواجد المجموعات الأخرى داخل المنطقة كبير , فمجموعات العرب البشاريين والعبابدة غيرهم يشكلون ثقلاً سكانياً لا يستهان به ولهم مناطق كبيرة وتملكوا الأراضي وإندمجوا كثيراً في نسيج المجتمع المحلي . في جنوب المنطقة تتداخل الحدود مع البديرية والشايقية وفي شمالها تتداخل قرى المحس والتي أصبحت بعصها في التوزيع الإداري الجديد جزءاً من المحافظة .

في خضم الحديث عن التنوع الأثني لابد من ذكر مجموعات السكان في مناطق مثل السليم وحوض ألتي التي كانت سبباً في هجرة مجموعات سكانية كبيرة بما طرحته من وعود تنموية وإستقرار وتملك للأرض فمجموعات الحوازمة والعبابدة والفيومية تمثل مركز الثقل في السليم مثلاً بينما في المناطق الحضرية نجد أحياء كاملة مثل الديم شمال مدينة دنقلا والبانجديد أيضاً لا يوجد بها إلا القليل جداً من الدناقلة ونلاحظ نفس الشيء  في أحياء أخرى بكل من كرمة والحفير والقولد وغيرها ، بينما تظل القرى الصغيرة والجزر ذات تركيب سكاني منحصر في الغالب على الدناقلة وإن كانت هناك جزر كبيرة مثل مقاصر مثلاً بها أيضاً تداخل أثني كبير وظاهر .

أما مدينة دنقلا المركز السكاني الأكبر في المنطقة فهي نسيج وحدها وهي المدينة التي نشأت كما أسلفت في العهد التركي على الأرجح . مدينة دنقلا ولطبيعة نشأتها بنيت على عوائل وتجمعات المهاجرين الذين وردا المنطقة مع الإحتلال التركي ثم الإنقليزي إما كعمال مهرة أو مرافقين للقوات الغازية وفي بعض هاربين من أوضاع مأساوية أو باحثين عن مناطق أكثر إستقراراً وأمناً وأكثر قابلية للعيش وكسب الرزق . هذه التركيبة كانت الغالبة عليها المجموعات المصرية والمماليك والأتراك وإمتدت جنوباً لقرى إرتدي والخناق . ثم تنوعت أكثر بقدوم مجموعات الجنوب الحبيب وابناء جبال النوبة وبأسباب الحرب والبحث عن الإستقرار أيضاً . واثرت صورة المدينة إبان الهجرات الكبيرة في منتصف ثمانينات القرن الماضي إثر الجفاف والمجاعة التي ضربت غرب البلاد . بينما نجد أن عائلات الموظفين والتجار الذين إستقروا بالمدينة مع تمددها الكبير إدارياً وإقتصادياً قد أكملت الفسيفساء الجميلة لمدينة حديثة بكل معنى الكلمة .

قصدت من السياحة السابقة في التكوين الأثني للمنطقة أن أركز على التعايش العميق لمكوناته والتي نلاحظ أنها ورغم تعددها وتواجدها في مناطق منفصلة أحياناً إلا أنها لم تشكل أي خطر أو حوادث ذات صبغة عدائية إجتماعياً أو سياسياً بل على العكس يمكن ملاحظة التداخل العميق بين هذه المكونات سواءاً بالتزاوج أو بالشراكات الإقتصادية والإجتماعية فمنطقة مثل السليم مثلاً لا يعرف القادم إليها أي فواصل أو تباينات عرقية بين سكانها المتعددين وكذلك في مدينة دنقلا وإن كانت التمازج الإجتماعي أقل إلا أنه وفي الآونة الأخيرة سترى عديد مناسبات الزواج بين مجموعات السكان بمختلف أعراقهم .

تظل منطقة البان جديد النموذج الأوضح والأعمق لسهولة التعايش والتداخل .. فهي المنطقة التي أنشئت لإسكان المهاجرين من الجنوب ومناطق الحرب الأخرى ولكن هناك قصة لنشوء الحي وتخطيطه تمثل ليس فقط الحكمة الإجتماعية المحلية إنما أيضاً بعد النظر وسهولة قبول الآخر فوق ذلك . فالحي الذي أنشئ على إمتداد أقجة القديمة تم تخطيطها وتوزيعها من قبل شيوخ المنطقة بحيث تكون موزعة بين الأهالي والنازحين بل أكثر من ذلك أن التوزيع تم بحيث يكون كل مربع سكني للأهالي يتبعه مربع آخر للقادمين .. وهكذا تم إدماج السكان في بعضهم بحكم الجيرة والتداخل المخطط له .. ولعل من أبرز نتائج التداخل والتنوع في هذا الحي الذي أصبح يفتقد لأغلبية الجنوبيين فيه بعد الإنفصال كان بروز الحراك الثقافي فيه .. فكل دنقلا تتذكر بشجن مركز شباب البان جديد ونادي الأمل الرياضي وإن كان النادي ما زال موجوداً إلا أنه تراجع كمركز للإشعاع الثقافي وحتى الرياضي .

بالحديث عن الجنوبيين وتعايشهم بل إتخاذهم للمنطقة كوطن لهم يجدر أن نمر على خبر أوردته نبوكين للتدليل والتعريف على ذلك :
(توفي صباح أمس السلطان كوال دينق كبير السلاطين بالولاية الشمالية، من أبناء جنوب السودان الذين وفدوا الى الشمالية منذ زمن طويل، وسكن منطقة كرمة البلد الذي عمل فيها جزاراً لفترة تجاوزت  الأربعين ﻋﺎﻣﺎ، اذ حضر الى منطقة ﺩﻧﻘﻼ ﻋﺎﻡ 1968 ﻡ، ﺛﻢ ﺍﻧﺘﻘﻞ ﺍﻟﻰ ﻛﺮﻣﺔ البلد، وﺗﺰﻭﺝ ﻛﻮﺍﻝ ﺩﻳﻨﻖ ﻣﻦ ﺍﻣﺮﺃﺗﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﺣﺪﺍﻫﻦ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﺤﺲ ﻭﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﺪﻧﺎﻗﻠﺔ، ﻭﺃﻧﺠﺐ ﻣﻨﻬﻦ ﻋﺪﺩﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻨﻴﻦ ﻭﺍﻟﺒﻨﺎﺕ.

يذكر أن السلطان كوال كان من الناشطين اجتماعياً وسياسياً في المنطقة، ومن الشخصيات المحبوبة من الجميع، نسال لله  أن يسكنه فسيح جناته ويرزقه الجنة )

حسناً والوضع كذلك يمكننا أن نمر على آلاف الأمثلة الوضية لوطن جميل ولكن :

طرأت في الآونة الأخيرة تطورات وأحداث غطت على سماء المنطقة وأصبحت تتمدد كظاهرة تستحق الدراسة والتوقف عندها لمحاصرتها ووأد أسبابها  ودعونا نبدأ من أحداث قرية حاج زمار الوادعة والتي مثلت خرقاً رهيباً لسماوات التعايش والسلم الإجتماعي تلك . فقد شهدت القرية الصغيرة التي تقع شمال دنقلا بحوالي 20 كلم والتي تضم عدداً لا يتجاوز الألف من الدناقلة وعلى تخوم القرية قامت قرية أخرى لعرب القليعة شهدت القرية أحداثاً مؤسفة راح ضحيتها شخصان وجرح العشرات في نزاع على الأرض . وتعود بداية الأحداث لخلاف بين القريتين أو الحيين على إمتداد المشروع الزراعي والذي كانت المحاكم قد حكمت بأيلولته لأهالي حاج زمار لكن بعض منسوبي النظام إستغلوا نفوذهم لتشجيع أهالي القليعة لرفض الحكم بإدعاء أنهم سيكونون ظهيراً لهم . ( وفي هذه الأثناء حدث تعدي بالضرب على أحد المزارعين من أبناء قرية دبتود (دناقلة) حاول زراعة الأرض بعد تأكيد المحكمة على أحقية ملاك المشروع من الدناقلة  بالزراعة والانتفاع بها، وتم كسر يديه الاثنتان بصورة وحشية،بهدف إرسال رسالة للدناقلة بأن ذلك سيكون مصير كل من يحاول زراعة هذه الأرض، وتحولت الى قضية جنائية تم الحكم فيها على الجناة بالسجن والغرامة، لكنها لم ترضى طرف المجني عليه وزادت من حدة الاحتقان بينهم. المحكمة أيدت حكمها بملكية الدناقلة لأرض امتداد المشروع، وبسبب الاحتقان الذي تولد نتيجة التعدي بالضرب على المزارع، قررت المحكمة إرسال قوة من الشرطة لحماية المزارعين أثناء الزراعة ومنع تعدي أبناء القليعة عليهم، وعندما بدأت أعمال الزراعة حاول أبناء العليقة إيقافها بالقوة، وبالفعل تم التعدي على المزارعين وأدى ذلك إلى سقوط قتلى ( استشهد اثنين من الدناقلة) وحدوث إصابات بالغة (حوالي 11 اصابة بالغة وخطيرة)، في ظل غياب القوة المكلفة بحماية المزارعين بسبب تلبيتهم لدعوة اجتماعية بتناول الطعام في مناسبة تخص أحد أبناء العليقة، إضافة إلى أن عددهم في الأصل كان صغيراً ولم يكن في مقدورهم  مواجهة حشد أبناء العليقة الذين تجمعوا مسبقاً من كل اماكن تواجدهم، لمنع المزارعين من زراعة الأرض وبالتالي تتحول  إلى أرض سكنية. وهنا يقفز السؤال الذي يطرح نفسه، الم تكن الحكومة تعلم بأن أبناء القليعة يحتشدون لمنع زراعة الأرض بالقوة ؟ ولماذا لم توفر السلطات قوة مناسبة لمنع الاحتكاك؟ وهي تعلم أن هنالك احتقان حاد بين الطرفين بسبب حادث التعدي على المزارع الأول! ) موقع صحيفة نبوكين .

تطورات القضية ذهبت إلى المحاكم وقد قضت محكمة دنقلا بالإعدام على 19 شخصاً من عرب العليقات وما زالت مراحل الإستئناف تنتظر الحسم .

بنظرة متمعنة هنا سنرى أن السلام الإجتماعي قد أنتهك بفعل فاعل وعن قصد فأذيال السلطة في المنطقة يستغلون الخلافات هذه لتصفية خلافاتهم أو لإدارة صراعاتهم السياسية ويجب أن نلاحظ أن مثل هذه الأحداث قد تكررت في كل من قرية الدوم القريبة من حاج زمار وقبلها في منطقة المحس تحديداً في قرى شدة وآرتمري وبنفس السيناريو تقريباً مستغلين التجمعات العربية وخلافات الأرض . في تقديري المسألة يتم تحريكها من أذيال السلطة لكسر توحد المنطقة حول قضية السدود والتعدين العشوائي آملين أن تخلق المهددات الإجتماعية والأمنية خوفاً وتفرقاً يمكنهم من إنفاذ سياساتهم القذرة في إغراق المنطقة وتفريغها من سكانها ثم إحتلالها وتملك أراضيها وثرواتها التاريخية والتعدينية .

لكن الأخطر في مظاهر العنف الإجتماعي هذه هو الترويج المصاحب لها عن تسليح قبائل بعينها والإشاعات المتعددة حول دخول سلاح للمنطقة وصولاً للإعلان عن تجييش مجموعات الكبابيش وإتباعها لمنظومة الجنجويد المسماة بقوات الدعم السريع وقد إحتفل محافظ الدبة بإعلان إنضمام مجموعات مسلحة من قرى الشمال العربية للدعم السريع ! لكن ورغم كل القذارة التي تمارسها السلطة وأذيالها فالأمل معقود على الوعي المجتمعي وعلى منارات المنطقة ومنظماتها ودعونا نقتطف هنا من البيان الصادر عن تجمع الديمقراطيين في القولد :

(إلى أهلنا الكرام في المنطقة وفي كل شبر في السودان
إننا نراقب عن كثب تطورات الأوضاع في شمال السودان، واتجاه نظام البشير لتشكيل ميليشيات مسلحة يبدو أن مركزها وتوجيهها يتم عبر مسؤولي النظام في مدينة "الدبة". إن هذا الاتجاه خطير للغاية، وهو بداية لنسف السلام الاجتماعي في الشمال. إننا نناشد أهلنا في الشمال إلى تصعيد النضال السلمي ورص الصفوف ورفض أي مظهر من مظاهر التسليح، ومقاومة رغبة النظام في تحويل أراضي الشمال إلى أراضٍ لتسديد ديون النظام لدائنين خارجيين، كما نجدد رفضنا القاطع لإنشاء السدود في الشمال وتهجير أهلنا وطمس الآثار والحضارة. )

نستطيع الخلوص في نهاية هذا الجزء من الرصد لقضايا المنطقة إلى أن الصراع في مناطق دنقلا قد إنتقل من الصراع السياسي السلمي للأساليب القذرة لكنه يظل صراعاً تذكيه الطغمة الحاكمة وصولاً لأغراضها الدنيئة وأن التصدي لهذا التغيير المدروس إنما يتم عبر الوعي وحصار الصراعات المناطقية والأثنية وتبيان الأطماع والدوافع الحقيقية لإثارتها من قبل السلطة وسنواصل في الجزء القادم من المقالات الإبحار في قضية الصراعات المختلقة هذه بالتركيز على قضية الصراع الحادث في مدينة دنقلا بين عصابات المخدرات المحمية بشبكات مصالح حكومية وبين مجموعات الأهالي ونرى الروابط الخفية في كلا الحالتين . كما تجدر الإشارة هنا أن مجموعة المقالات هذه ستحاول المضي نحو تفصيل قضايا الأرض والنهب المصلح باسم التنقيب والأضرار الناتجة عنها ووصلاً لقضايا السدود وإرتباط كل هذه القضايا بمصالح الطغمة الحاكمة في النهب .

 

*نشرت على أجزاء بصحيفة الميدان ضمن ملفات المنطقة النوبية 

عبدالله الدنقلاوي 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1