الرئيسية / التراث والثقافة / دخل في نوبة بكاء لحظة مواراة الفنان حسين لالا..وأهل الكلاكلة عرفوه اخو إخوان

دخل في نوبة بكاء لحظة مواراة الفنان حسين لالا..وأهل الكلاكلة عرفوه اخو إخوان

نبوكين – شعبان شريف

دائما ماكنت اختم زيارتي للسودان بالمرور علي المعمورة والسلام والوداع علي الأستاذ محمد وردي، وأخر مرة زرته كان في 31-12-2011 وأنا في طريقي للقاهرة ومعي صديقي الأعز الراحل المقيم عماد شريف، وشاءت  الأقدار أن تكون تلك هي المرة الأخيرة التي آري فيها رمزنا وفخرنا الأستاذ محمد وردي، واعز أصدقائي أيضاً.
 ارتباطي بالأستاذ ارتباط اسري، كنت مازلت افتخر وافاخر به، فقد يقول قائل من الذين يعرفون جغرافية القرى في السكوت كيف تكون ضمن (رزنامة )عائلته وأنت من كويكة، وهو من صواردة؟ تلك قصة أخري، فوالدتي اطال الله عمرها، وهي بنت خال الأستاذ لزم من صواردة، وللذين يعرفون السكوت مرة أخري فان سكان حلة "اجر" بصواردة جدتهم الكبرى (فرحة سليمانتو ) أصلا من كويكة، وأكثر من سبعين في المائة من سكان كويكة ينتسبون إلي سليمانتو، بل لهم امتداد وتفرع بالكاد في معظم قري السكوت، في عبود وصاي وحتى قرية كولب في اقصي شمال السكوت، والأستاذ الراحل المقيم كان أكثر الناس الماماً بهذا، فكان يقول لي مثلا : هل تعرف بان عبدون سيد احمد شيخ قرية عدو بجزيرة صاي(رحمه الله رحمة واسعة )  بأنه قريبنا جدا، نعم فهو من نسل سليمانتو، وفي زيارته الشهيرة لإقامة حفل لصالح قرية عدو، وفي عدو نفسها كان عبدون سيد احمد قد أكرم وفادته ثم (شحن له لاندروفر) كامل من أفضل شتول التمر ليرزعها في أرضه بصواردة، صارت بعد ذلك حدائق غناء وكصدقة جارية للذي اهدي وللذي غرس، غير أن علاقتي الوطيدة معه بدأت في بلاد الغربة في ليبيا تحديدا في العام 1988م، عندما جاءها بدعوة شخصية من معمر القذافي، وكان وقتها في احدي (فوراته ) قد قرر فك حظر السفر عمن احتجزهم ضمن البنود الديكتاتورية لحكام العالم الثالث، كقيد علي الحرية في كل المناحي، خطب العقيد القذافي في احدي مهرجاناته، طالبا من كل  من تم احتجاز جوازه الحضور غدا لمبني الجوازات للاستلام، واذكر بأن مبني الجوازات كان يقع في نهاية شارع الفاتح من سبتمبر، في مبني مكون من ست طوابق أو شيء من هذا الارتفاع، ثم خطب اليوم أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق، ومعي الفنان السوداني محمد وردي صاحب النشيد، والذي اطل من تلك الشرفة، وردد أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق، حتى كادت أن تصبح النشيد الوطني للليبببين ثم احتضنه العقيد الذي طلبه علي وجه السرعة، وكان وقتها في رحلة فنية إلي الخليج، ثم مكث في ليبيا بعد ذلك فترة توثقت فيها علاقاتنا كغريب وجد فرد  من عائلته في حجم ومكانة محمد وردي،  وهناك عرفت وردي الإنسان عن كثب، فالنخبة التي جالسته يعرفون عمق ثقافته واطلاعه، فكنت كلما أزوره في الفندق الكبير أجد واحد من جهابذة الكلمة معه، فقد صادفت الفيتوري وطلحة جبريل، والصحفي السوداني الراحل والذي أقام في المغرب أسوة بطلحة جبريل ابوبكر الصديق شريف، يتحدثون بعمق عن إشكالات الثقافة والفن والديمقراطية، والذين راؤه بأناقته المعهودة في المسرح، ربما لم يروه بالعراقي وهو جالس يطلب وجبة من التركيج مع (فحل بصل )، وهو سيد الجلسة بروحه الفكهة فهو أفضل من يجيد التقليد وابلغ من تحدث بالنوبية، يروي لك قصصا من الأربعينات والخمسينات عن البلد وعن سكان البلد، فالرجل الذي كان يجالس الفيتوري ومحمود درويش، كان صديقا مقربا لسيد تلول، بل إن منزله بالكلاكلة كان هو المحط الرئيس لسيد، ويروي هو قصة له مع سيد تلول، وهو يؤدي فاصل غنائي علي مسرح قاعة الصداقة الأنيق، وقتها كيف أن (أبو السيد ) دخل حلبة الرقص وهو يصفق بطريقتنا النوبية، ثم اعترضه نفر من الشرطة وهو في طريقه لاحتضان وردي، لم يهتم سيد تلول بالعسكري، بل رده بكل استخفاف (أنت مش دافع حق التذكرة ) قال ضحكت، وأنا علي خشبة المسرح ثم احتضنته، وأمرت بان تكرم وفادته .كان يعشق أن يكون وسط المعمريين من أهلنا يناكفهم ويستلذ التحدث إليهم،  لم ينس صديقا من أصدقائه القدامى، بل رثي بعضهم ولعل أشهرهم قريبه من اشمتو المرحوم علي سليم، والذي ورد ذكره في مستهل أغنية "صواردة شو" كان الرجل عندما خبرناه تاجراً كبيراً من تجار المنطقة، ولكنه كان قبل ذلك فنانا يعزف أعذب الألحان بالطنبور، كما أن علاقته برمز الفن النوبي الأخر حسين الالا، كانت راسخة وقوية فقد شهد الذي رأوا مواراة حسين الالا إلي مثواه الأخير، كيف أن وردي راح في نوبة بكاء طويلة جداً، الرجل لم يعش في برج عاجي فقد أثر أن يبقي في الكلاكلة، حيث الأهل يحيطون به من كل جانب، وعند المغرب تجده يطوف عليهم بيتاً بيتاً، يجالس هذا ويناكف هذا ويساعد هذا، لم يكن سكان الكلاكلة يعرفونه فنانا طبقت شهرته الآفاق، بل ابن بلد أصيل يجدونه في المقدمة في أفراحهم وأتراحهم، فان كان الفن السوداني قد فقد ركيزة من ركائزه بوفاته، فان أهله وجيرانه في الكلاكلة فقدوا ركنا ركينا، كان كبيرهم الذي ينصحهم، وسميرهم الذي يؤانسهم، ومن يلجأؤون إليه في أنصاف الليالي إن احتاجوا لمواصلات تحملهم إلي غرف الطوارئ، كان يتبني اسر كاملة دون من أو رياء، يبني لهم بيوتهم ويؤثثها، لم يكن  يعرف الشكوى، ولكنه كان مستمعا جيدا لشكاوي الآخرين ..حتى في مرضه الأخير لم يك يبدو قلقاً، بل كان ينشر الطمأنينة في الذين يبدون قلقهم تجاهه، ولعل مسيرة حياته الشائكة من اليتم المبكر جعلته قوي الشكيمة، يؤثر علي نفسه وحتى وان كانت به خصاصة ..ونواصل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1