خبر وحقيقة

 

  تصدر كل واجهات العرض النوبية السودانية حدثان، أول مرتبط بالاحتجاجات الخاصة بمدينة حلفا وآخر مرتبط بكيفية التأبين لشهداء كجبار، في البدء أود أن أحكي قصة لازمتني سنينا عددا، كنّا في الاجازات الخاصة بالمدارس نقضي أوقاتها في مدينة حلفا، تلك التي زرتها للمرة الاولى في العام ١٩٨٩م، بعد الزيارة مباشرة رجعت لاحضان جدتي لأمي تلك التي أناديها بأمي، فاطمة بت النور سالم، حكيت لها قصة البرد وقصص الارتحال وبص أشرنكيل، حكيت لها عن ترحيلات وادي ستيت وأبو آمنة تلك التي تسميها أمي البص السريع، أثناء السرد ذكرت جملة (حلفا القديمة) إنتهرتني تلك الشفيفة الرقيقة بطريقة تنبيء عن كارثة، كيف لي صياغة جملة تحتوي على فرز الباطن من الظاهر، كيف استساغ لساني مفردة القديمة تلك المرتبطة بالتجاهل، حينها قالت وبعلو صوتها الذي أعلم *(حلفا ياها حلفا، جديدة وقديمة دي حقت الما بعرفوها)*
منذ ذلك التوقيت وحتى تاريخه أسمى حلفا بوادي حلفا، وأربط بين الجديدة وخشم القربة، مخافة أن تسمى المدن بما تكره بت النور.
ألمني جدا أن في نقل خبر الاحتجاجات ظهرت دعوات لا تشبه قاطني حلفا من واديها وحتى جديدها، لا تشبه الانتقال ولا الأزمة، بل يقيني أنها لا تشبه تراكم الوعي الذي لم ولن يفصل الوادي عن عاشقيه، دعوة أن ينضم أبناء البقاء لنهر النيل دوناً عن دنقلا، ثم ما الذي اعترانا؟
أولا أود أن أذكر الجميع أن مدينة حلفا زهرة مدائن الجمال لم تكن تابعة في يوم ما بقدر ما هي رائدة، إسألوا مدارسها وفنادقها وطبيعة إنسانها قبل الخوض في مآلاتها ثم ستجدون إجابة شافية وكافية تُعنى بقيمة التاريخ والسير، ثم كيف للأساس ان يتبع المنبت من تواريخ الهزائم، ألمني جدا ان من ضمن المفبرك من أخبار نقل صراع (المعابر) للمعبور، والعبرة في انتهاك الحقوق من أجل الآني، كيف للأخبار ان تترك بصمتها ولو كذباً في خانة الانتقال من ولاية لأخرى تلك التي اقتطعت جزءا عزيزا لصالح خنقها، وأعني نهر النيل علانية، كيف لدعاوى الاستقلال عن الظلم قدرة البروز وتاريخ المناهضة يعلن أن سعاد ابراهيم احمد وقفت أمام أذيال المستعمر بنفس شهيق أبيها أن أرضنا ليست للبيع؟
من أين أتت دعاوى الانفصال وحلفا من كان وريدها وسيظل عمق اللون وشفاء المحتاج وقصة (العشم)، ثم كيف لصاحب الارث أن يناقش ما خلف الجدار، سأظل أكتب ما تبقى من عمري وصية من خلدت وخلَّدت بصمتها، لا قديم يعاد ثم القديم يذكر، لا حلفا قديمة بل حلفا التي صبغت الوانها في كل ألوان التعدد الاثني والعرقي في سودان (الوجع).
إذن مشكلة الوطن بذاتها مشكلة حلفا، وتجفيفها بذاته وعد الصاغرين أمام الجباه التي لا تركع للذل، ليست حلفا من سيأتيها الباطل في شكل انفراد، بل هي وجيعة الوطن وسر بناءه، ولكل المتكسبين أمد الأوسط من الكف إن لامست أحلامهم مستقبلنا، وكفى.
بخصوص تأبين شهداء كجبار وكيفيته، ذكر الكثيرين أن مخاوف مصاحبة لإقامته منها الكوليرا، وآخرون ابتدروا طرائق للتأبين من شأنها أن يستقيم مستقبل المناهضة مع واقعها وواقع المنطقة البائس، أقول أن كلاهما على حق، نخاف أن نؤذي، ونخاف أن نؤٰذى، وبين الأوجاع تنبت سنبلة، هذه السنبلة هي رحيق احتراق ارواح من فقدناهم،لن نترك التأبين، سنكرره آلاف السنين ومتعدد الأعوام، روح محمد فقير والصادق سالم، حريق الجوف بفعل فقدان شيخ الدين والمعز، ستنبت أزهارا عصية على القمع وقادرة على الايناع.
سيقام التأبين ومنه سنتعلم أن بالإمكان أفضل مما كان، ثم أقترح مباشرة أن تطلق أسماء الرياحين على المدارس، إجعلوا مدرسة كبرنارتي الجديدة باسم محمد فقير، ثم أقيموا مركز صحي باسم شيخ الدين، علموا اطفالكم في معهد الصناعات المسمى بإسم المعز، ثم الصادق سالم تزين لوحة الاستقبال في مجمع الخدمات المركزي، ذاك الذي يستحقه أبناء المنطقة.
على الخائفين من اقامة التأبين أن يترووا، فالتأبين قبل استماتة إقامته حق واجب النفاذ ودين كامل الأهلية في الاسترداد، أما الكوليرا فهزيمتها قائمة على الوعي قبل أملاح التروية، ولا ارتواء من ذكرى الذين سقوا بدمائهم مستقبل الالتزام.
لن تنضم حلفا سوى للصحيح من جسد السودان الواحد الموحد، ولن تكون نهر النيل سوى دعوة الذين لا يفقهون أصل النصل من عمقه ذاك المغروس في تجاهلنا، لن تركع حلفا ولن تتمركز حول عصبية أو جهوية، حل مشكلة حلفا ضمن حلول الوطن المختطف، والتأبين ليس استذكار، التأبين تجديد لبيعة جُبرنا عليها وسنؤديها.
أخيرا تبقى اللحظات بين الرصاصة وصدري مليئة بحلم الحياة في وطن يسع الجميع.

 

 

عمر حلاق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1