الرئيسية / المقالات والتحليلات / حكم الفرد وقمة أزمة السلطة

حكم الفرد وقمة أزمة السلطة

محمد صلاح عبدالرحمن يكتب : 

حكم الفرد وقمة أزمة السلطة

 

 يشهد السودان أسوأ أوضاعه على الإطلاق ببلوغ التضخم ل 122% كثاني أعلى معدل في العالم، كما تذيل القائمة في معدلات الشفافية لعام 2017. لا يوجد اليوم من ينكر الأزمة العميقة للنظام، حتى منسوبي السلطة على قناعة بأن النظام في انهيار. هذا الوضع هو نتاج لسياسات الإنقاذ المستمرة منذ انقلابها على السلطة.

منتصف أغسطس 2013 طرح ليمان المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي للسودان وجنوب السودان ورقة بعنوان الطريق للحوار الوطني في السودان، والتي جاءت بسبب ما أطلق عليه تزايد التمرد المسلح و الانقسام والداخلي ومحاولات الإنقلاب على البشير كما عبر عن معضلة عدم رغبة البشير في التغيير. هزت هبة سبتمبر ٢٠١٣ أركان النظام مما جعله يسعى لتوسيع القاعده الإجتماعية والسياسية للسلطة عبر قبول المقترح الأمريكي المسمى بالحوار الوطني بصوره تكتيكية في يناير 2014 لتخفيف الضغط الداخلي على السلطة وإنهاء الحصار، ولكن بالمقابل سعت لإفراغه من أي مضمون إصلاحي!، فتقدمت الإنقاذ نحو الإنتخابات لفرض سياسة الأمر الواقع وتعزيزا لذلك التقدم فرضت المليشيات القبلية كجزء من جهاز الدولة وإنفرد البشير بتعيين الولاة والسماح بإجراء إنتخابات مخجوجة للبرلمان ومجالس الولايات لتوفير مساحة للمشاركة الشكلية.

الخطوات التي قام بها البشير عمقت أزمة النظام وذلك بسحب صلاحيات القيادات الوسيطة وخصوصاً في الولايات لتصبح أكثر مركزية وبصورة أكثر دقة في يد البشير، مهد ذلك لفض الشراكة القائمة على الولاء مقابل السلطة، وتعتمد السلطة توزيع الثروة والسلطة مقابل الولاء السياسي لفرض بقائها، وقد أضحى البشير يعتمد كليا على المليشيات والدعم الخارجي و وجب إعادة تقسيم الثروة حسب أولويات المرحلة . بمتابعة قليلة يمكن النظر لحجم الخلافات بين قاعدة النظام ( قيادات محلية، ولجان شعبية، إدارات أهلية، معتمدين ..إلخ) وقمة الدولة خصوصاً في القضايا ذات الحساسية الإقتصادية مثل التعدين و تفكيك المشاريع الزراعية ونزع أراضي المزارعين والرعاه لمصلحة الاستثمار المحلي والأجنبي…إلخ . الأمثلة تطول ونذكر منها  نزع جبل عامر وإعتقال موسى هلال وتخصيص المنطقة لشركة الجنيد التابعة للدعم السريع، تحويل أراضي مشروع أعالي عطبرة المقترح والبالغة أكثر من مليون فدان لمصلحة السعودية ل 99 سنة . 

أدى الموقف الامريكي/الخليجي حول ترشيح البشير في إنتخابات 2020 الى تفجير صراعات السلطة على كافة الأصعدة، فالبشير ورغم تصريحاته السابقة بعدم الرغبة في الترشح ومخالفة ترشيحه للدستور، وكأنه قد تفاجأ بهذا القرار ووجد نفسه بين مراكز متصارعة حول خلافته في السلطة بين عسكريين داعمين لمشروع الهبوط الناعم (الأمريكي) و بقايا الحركة الإسلامية التي أدركت عزلتها (وربما الابدية) عن السلطة في حال نجاح المشروع الأمريكي، وكان تأجيل مؤتمر الحركة الإسلامية بداية النهاية. لقد دعمت هذه الخطوة شخصيات مثل علي عثمان وهو ما جاء به للسطح مؤخراً مع مجموعة من القيادات السابقة والعسكريين الداعمين لإستمرار البشير. 

الصراع الآن على مصراعيه داخل السلطة فقد إستفاد بعض الإسلاميين من تناقض الولاة مع مجالس الولايات (الوالي يطبق أوامر البشير الذي عينه حرفياً وهي في الأغلب تتعارض مع مصالح أعضاء المجالس) واستثمروا أزمات مختلفة لإضعاف السلطة، نجدها بوضوح في ولاية الجزيرة وحل المجلس التشريعي والبحر الأحمر وموقف فرض الاستقالة على رئيس المجلس وكسلا وجنوب كردفان وغيرها، وقد واجه البشير هذه التحركات بنفسه بزيارة هذه الولايات وفرض الأمر سياسته بصور مختلفة. هذه الأزمات التي خرجت للعلن هي قيض من فيض تناقضات وصراعات مستويات الدولة والتي سنشهدها تباعا في حال استمرار الوضع في التدهور والتي لا خيار أمام البشير سوى مواجهتها وتفكيكها بقوة وتفكيك المؤتمر الوطني في حال انتهاجه لطريقها، وهو ما يجعل البشير يعتمد على الدعم السريع كورقة أخيرة والتي صرح قائدها أن ترشيح البشير (فوق أي زول) وهذا التوازن المعتمد على المليشيات هش لايضع في الحسبان إستيعابها للواقع وقدرتها على التحول السريع.

أيضاً يواجه البشير تيار الهبوط الناعم بخشونة لضمان البقاء. فقد كان تقييد صلاحيات وزير الخارجية بداية وإستمر ذلك. فالناظر لقرار تكوين أربعة مجالس (الرئاسة ، الإقتصاد ، الإعلام ، الخارجية) وهو ما أطلق عليه الصحفي الحصيف محمد وداعه: (تفكيك مجلس الوزراء)، هو تفكيك لمجلس الوزراء ومشروع الحوار وتركيز جميع الصلاحيات لدى البشير. جاءت هذه التحولات في ظل عدم إستقرار في السياسة الدولية، ولعب السودان لأدوار إقليمية أكبر من قدرته على تحمل تبعاتها (ركشة مركبة بوري قطر) 

الأزمة الحالية تنبئ بسيناريوهات مختلفة خصوصاً مع تصاعد الضغط الجماهيري المعارض لسياسات النظام التي أدت إلى قتل وتشريد وإفقار قطاعات واسعة، وفرضت هذه السياسة المواجهة مع مختلف الطبقات بما فيها الرأسمالية الوطنية. النظام في قمة أزمته الداخلية وسقوطه مرهون بتطور المواجهة الجماهيرية، وهنا يقفز واجب الحيطة فتطور حركة الإحتجاج للوصول لغاياتها رهين بقطع الطريق أمام المجموعات التي تحاول الانقضاض على البشير في نعشه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1