الرئيسية / المقالات والتحليلات / حكايتي اليوم بلا عنوان

حكايتي اليوم بلا عنوان

حكايتي اليوم بلا عنوان .. وبطلتها بلا إسم ..  فمثلها لا يحتاج إسماً مثلنا لأن أسماؤنا بلا معنى.. قصتها أكبر من أن  يختصرها إسم وإن اختاروا لها في الواقع إسماً لا يدفعك لشيء سوى اللعنات.. هى فتاة إلتقيتها في إحدى البلدات بين الجبل والوادي.. لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها.. علمتني أن للألم والبؤس والظلم صرخات في جنبات الروح لا يرتد صداها ولا تبارح مجرى الدم… كنت في زيارة للبلدة لتفقد العمل في المستشفى والاطلاع على أحوال الفريق.. في ذلك الصباح.. حدثتني نفسي بأن الهدوء الذي ساد المنزل محفز للعمل.. غادر زملائي للمستشفى ويمكنني الآن الرد على كومة الرسائل التي تنتظرني وكتابة بعض التقارير.. سمعت صوتها وهى تلقي التحية الصباحية وتبدأ بأعمال النظافة.. راحت تثرثر بينما أحاول جهدي لأبقي عيني على شاشة اللابتوب..ربما قالت شيئاً عن فرحتها بالعمل معنا وكيف أنها المرة الأولى التي تجد فيها عملاً.. أجبتها باقتضاب بأني أعرف أن هذا أسبوعها الأول.. لم تكترث لردي المقتضب واستمرت في حديثها عن أشياء لم أتبينها وأنا أقرأ الرسائل المتراكمة منذ الأمس.. 
معذرة.. هل قلت شيئا؟
نعم.. سألتك أن كنت تريدين بعض الشاي .. هل يمكنني أن أغلق باب الغرفة أثناء التنظيف لأني أود أن أنزع البرقع. 
لم استوعب لوهلة علاقة الشاي بالبرقع وباب الغرفة.. طالعتها.. بدت لي نحيفة القوام وإ
ن اتسعت عباءتها السوداء حولها وكأنها تستحي أن تلامس جسدها النحيل.. قلت لها…. لا بأس بالاثنين معاً.. الشاي ونزع البرقع.. فلا أحد غيرنا بالمنزل على أية حال.. ذهبت وهى تقول شيئاً أو ربما لم تقل.. لكنها وضعت صينية الشاي أمامي بعد فترة وهي تقول: أنا لم أرى إمرأة من قبل قوية مثلك.. قالوا في البلدة أنك مديرة.. هل هذا صحيح؟ رفعت رأسي لأجيبها غير أن الكلمات ماتت في حلقي وانا أطالع وجهها للمرة الأولى.. قالت وأنا أحملق فيها كالبلهاء والدهشة تتملكني.. أعرف.. هذا الحريق في وجهي قبيح المنظر.. هززت رأسي وقلت مستدركة. لا .. عفواً.. ليس هذا سبب دهشتي.. أنت صغيرة جداً.. لا يمكن أن تعملي معنا.. أنت طفلة.. كم عمرك؟ قالت.. لا أدري.. لا أحد في هذه البلدة يعرف عمره.. الجميع هنا يؤرخون لولادة أبنائهم بأحداث كبيرة.. وأنا كنت واحدة من هذه الأحداث.. هل أخبروك عني؟.. وضعت اللابتوب جانباً وطلبت منها الجلوس..
أخبروني بماذا ؟.
بأني إبنة زنا.. كل من في البلدة يعرف.. أمي التي تعرفون وجدتني في مجرى السيل.. ولأن امراً كهذا نادراً ما يحدث في بلدتنا.. أصبح الناس يؤرخون بالسنة التي وجدتني أمي فيها..
كانت تحكي كمن يروي قصة لا تعنيه.. كأنها احد اهل البلدة الذين يؤرخون بالسنة التي عثروا فيها عليها… كان صوتها بلا طبقات.. تحكي كمن حفظ قصة بلا معنى.. لكن شيئا ً في عينيها منح الكلمات بعدا آخر.. غادرتني اللغة.. لم يكن لدي ما أقول.. لا اعتقد انها كانت تنتظر مني شيئا.. استمرت تحكي.. واطرقت انا..
الأولاد في البلدة ينادونني ببنت الفاجرة.. وانا اعرف انها كذلك.. ألقتني في مجرى السيل دون أن تنتظر لتتأكد من موتي..
احسست بعبرة تخنق صوتها.. كان وجهها غارقا في الدموع ولكنها لم تتوقف عن الحديث.. سألتني فجأة عن الحريق في وجهها وكيف يبدو.. لم اتوقع السؤال.. ظننتها طريقتها لتهرب من باقي القصة.. ربما ارهقتها التفاصيل.. طالعت ملامح وجهها التي تشي بجمال أخاذ اقتطعت منه آثار الحريق التي امتدت حول الفم والأنف.. قلت لها : أنت محظوظة لأنه لم يقترب من عينيك.. فالنار لا ترحم لكنها رحمتك يا صغيرتي.. إبتسمت مرة أخرى إبتسامة فتحت للألم ألف باب وقالت : أحرقتني أمي بنار شمعة وأنا في الخامسة أو الرابعة من عمري لا أذكر.. قيل أن أبي عرف بنجاتي ويقال أنه أحد كبار شيوخ القبائل في منطقتنا.. وعندما رآني ألعب مع الأطفال رأي ملامحه في وجهي فخاف إفتضاح أمره.. يقول أهل البلدة أنه أعطى أمي أموالاً كثيرة لتقتلني لكنها أقنعته بتشويه وجهي..
مر زمن لا أدري طوله.. ظننت أني قد توقفت عن التنفس والتفكير والحياة.. غاب الكون والوجود في كوة سوداء ولم يبق سوى صوتها يخلق أكواناً أخرى ومدارات للألم تسحق تاريخ البشر .. 


وللألم بقية من مداد تحكى..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1