الرئيسية / المقالات والتحليلات / حكايتي اليوم بلا عنوان (2)

حكايتي اليوم بلا عنوان (2)


إنخرطت في بكاء هستيري وكلمات لم أتبين منها سوى أن أمها البديلة تناديها أحياناً بالعاهرة. قالت لها إن مصيرها سيكون كأمها التي ولدتها .. ولن تكون يوماً امرأة ذات قيمة.. سألتني وجسدها النحيف يرتجف.. كيف يرضى الله بهذا؟ ماذا فعلت لهؤلاء الكفار؟ رنت كلمة الكفار في رأسي مراراً.. أحاول أن استوعب ما مرت به وما يمكن أن يطلق عليهم جميعاً من ألفاظ ونعوت…

لم استطع البقاء في المنزل .. صدري يطبق علي وقلبي ينخلع. ذهبت للمستشفى وطلبت من كاسي إجتماعاً عاجلاً .. سألته عنها وإن كان يعرف عمرها.. هز رأسه نفياً وقال إن أمها أكدت له أنها في العشرين ربما.. هل رأيت وجهها ؟ ..قال لي.. بالتأكيد لم أر وجهها ولكن ما المشكلة ؟ أخبرته أنها على الأرجح لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها.. إتسعت عيناه وهو يطالعني.. هل انت متأكدة؟ نعم.. متأكدة.. وللفتاة حكاية طويلة.. سأعود غداً للعاصمة وأتحدث مع المكتب القانوني.. لكنني متأكدة من أن هذا الوضع خاطئ.. لا يمكننا تشغيل طفلة.. حتى العقد الذي وقعته معها لا يحمل أي وزن قانوني يا عزيزي..

غادرت البلدة في الصباح في طريقي للعاصمة.. تحدثت مع زميلتي في المكتب القانوني وحكيت لها القصة كلها.. لا أدري لماذا شعرت بالارتياح عندما أحسست أن الصدمة التي إعترتني إعترتها. كأني كنت بحاجة لمن يؤكد لي أن هذه القصة إستثنائية وأن جرعة اللاإنسانية فيها فوق مستوى الاستيعاب..

مرّ أسبوعان انشغلت خلالهما بالعديد من التفاصيل في بلد يجعلك تلهث وأنت تلاحق التفاصيل والمتغيرات.. حتى جاءتني مكالمة هاتفية من كاسي.. صوته كان قلقا  وغاضباً بعض الشئ وهما صفتان لا يعرفهما كاسي بسهولة.. بدأ حديثه بانفعال.. إعتقد أننا نحتاج حضورك مرة أخرى.. لقد تطور الأمر وكاد يخرج عن السيطرة.. لا يمكنني إدارة المشروع والانتباه للتفاصيل الأمنية اليومية وفض النزاعات بين أعضاء الفريق في ذات الوقت… طلبت منه المزيد من التفاصيل فقال إن القصة تدور حول الفتاة.. فقد عرف أعضاء الفريق قصتها وانقسموا حولها.. بعضهم يتعاطف معها تماما ويقول أن عليهم إنقاذها من حياة الهوان هذه وتقديم فرصة حياة أفضل لها في أي دولة أخرى.. والبعض الآخر يقول إننا هنا لتقديم المساعدة للمرضى وليس للتغيير الإجتماعي.. 
كان الوضع مربكاً.. ومما زاد في إرباكه وصول قرار المكتب القانوني بشكل حاسم بضرورة إيقاف الفتاة عن العمل فوراً .. فالأمر مخالف لكل القوانين الدولية ولا يمكن أن نرتكب مخالفة كهذه…عدت للبلدة مرة أخرى وكان أول ما فعلته هو الإجتماع بأعضاء الفريق.. خضنا نقاشا إستمر ساعات علت فيه الأصوات المختنقة بالعبرات وانهمرت الدموع .. تبادلنا الاتهامات والسباب حول إنسانيتنا وتوحشنا..كان نقاشاً كسياط الجلاد..مشحونا بالمشاعر.. مؤلما لكنه لا يجيب على سؤال ولا يمسح دمعة..غادر الجميع إلى غرفهم بقلوب مثقلة.. وضع بعضهم يديه فوق رأسه وكأنه يخشى على رأسه من الإنفجار.. آخر ما قلناه واتفقنا عليه على مضض هو أننا هنا لإنقاذ عشرات الأرواح وتقديم العون للمئات من المحتاجين.. إن تصرفنا بعواطفنا مع الفتاة في مجتمع جبلي متشدد فإننا حتماً سنطرد.. نحن أغراب هنا وعلينا دائما أن نتذكر هذا ونحترم تقاليد المجتمع كأي غريب.. هذه الفتاة مهما فعلوا فيها فأنهم يرون أنفسهم على الحق.. وإن حاولنا نحن المساعدة فقد نتهم بالمساس بأعراض القبائل وشرفها .. أما فيما يتعلق بالراتب.. فإن أمها تعمل معنا.. يمكننا زيادة الراتب للأم حتى نعوضها عن إيقاف الفتاة عن العمل.. 
ظننت والظن بعضه إثم أن الأمر اقترب من الحل.. حتى وإن لم يقتنع الجميع ولم يتقبلوا قسوة القرار لكنهم تقبلوا فكرة عدم المجازفة بالمستشفى والمرضى من أجل شخص واحد.. كانت الموازنة صعبة لكن الخيار واحد بلا بدائل او احتمالات أخرى… إلا أن الحكاية تأبى إلا أن تزداد تعقيدا..

جاءت لعملها في الصباح كعادتها.. راحت تتحرك ببطء على غير عادتها وهي تتحدث وتضحك .. ترحب بي وتسأل عن هذا وذاك وهي تنظف.. سألها كاسي لماذا تعرج في مشيتها.. قالت بذات الصوت الخالي من التأثر والانفعال.. ضربتني أمي بالكرسي أول أمس .. طلبت منها جين أن تأتي معها للغرفة حتى تفحص رجلها.. وما أن كشفت عن ساقها حتى شهقت وخرجت من الغرفة أبحث عن هواء…

 


وللألم بقية من مداد تحكى….

رابط الجزء الأول :
http://nubokeen.com/web/%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86
/

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1