الرئيسية / المقالات والتحليلات / ثورة الطاقة النظيفة و قضايا التنمية المستدامة في السودان

ثورة الطاقة النظيفة و قضايا التنمية المستدامة في السودان

 

السودان, من أكبر الدول الافريقية مساحةً, ويعد ضمن الدول الأقلَ نمواً في العالم, رغماً عن حقيقة وفرة موارده الطبيعية من مياه ومعادن وعِظمِ إمكانيات وموارد الطاقة المتجددة الوفيرة علي إمتداد مساحاته. يجب أن تثير هذه المفارقة الكثير من العجب والإستفاهامات, و من ضمن تلك الإستفهامات يأتي هذا التحقيق في مايقف في وجه لحاقنا بثورة الطاقة النظيفة والتحول لإقتصاد أخضر ويعرقل مسار التنمية المستدامة في السودان. مساعدة السودانيين للإنتفاع الأمثل من هذه الموارد لتحقيق الرفاه ومستويات عالية للمعيشة لكل شعوب السودان كانت الغرض الرئيس لهذا المقال.

أهمية الطاقة النظيفة في السودان

عدد كبير من السودانيين يفتقر للوصول لشبكات الطرق الممهدة وخدمات الكهرباء والمياه العامة والإتصالات, ويعتمدون على الفحم النباتي والحطب لإغراض طبخ الطعام والتدفئة, والشموع ولمبات الكيروسين للإضاءة ويتحصلون على المياه من نقاط بعيدة بالنقل اليدوي او التناكر المقطورة بالحمير. يعمل معظم هؤلاء كرعاة رُحَّل أو عمال زارعين موسميين في حقول ومشاريع الزراعة الآلية المطرية في الجزء الماطر من السودان.
إقتصاد معظم الريف السوداني زراعي ورعوي مع وجود بعض الصناعات الخفيفة, وتساهم الزراعة بمعظم الناتج الإجمالي المحلي. ويمكن تصنيف الزراعة في السودان إلي: زراعة المشاريع الضخمة المروية بالسدود وشبكات الري الإنسيابي, مشاريع الزراعة المطرية الآلية و المزارع الصغيرة المروية من الآبار والأنهار بمضخات الديزل. ويعتمد عدد مقدر من السودانيين علي الديزل في توليد الكهرباء لإستخدامات المنزل والإضاءة, والغاز لإغراض الطبخ.
يعد السودان من أقل الدول في مستوى تنمية الطاقة الشمسية, بالرغم من تمتعه بأحد أفضل مستويات الإشعاع الشمسي في القارة الأفريقية ووقوعه ضمن نطاق مايسمى بالحزام الشمسي حيث أعلي مستويات الإشعاع الشمسي المتعامد في العالم.  في ولاية الخرطوم تكفي كمية الإشعاع الشمسي السنوي الساقط على مساحة لا تتجاوز 7 كيلومترات مربعة ( أقل من 0.03% من مساحة الولاية) إستهلاك السودان بأكمله من الطاقة الكهربائية البالغ 14,870 مليار واط – ساعة (GWh) في العام.
بدأ استخدام تطبيقات الطاقة المتجددة في السودان منذ أوائل سبيعينيات القرن الماضي على إثر أزمة النفط العالمية. بمساعدة عدد من وكالات التنمية الدولية تم استخدام الطاقة الشمسية الضوئية لضخ المياه وتوفير كهرباء لإضاءة المدارس والمساجد والمراكز الصحية وثلاجات حفظ الأدوية. كما تم تركيب عدد من مضخات المياه الميكانيكية العاملة بطاقة الرياح. كانت تلك الإستخدامات محدودة جدا وقليلة الي عهد قريب.
منذ توقيع إتفاقية باريس للمناخ (COP21) شَهِدَ السودان زيادة في استخدامات الطاقة المتجددة وتم الإعلان عن العديد من المشاريع الضخمة تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات الإمريكية قيد التنفيذ. ضمن اهداف التخطيط للعام 2020 عدة مشاريع لاستخدام الطاقة الشمسية تتجاوز سعتها الإجمالية 500 مليون واط, ولاستغلال طاقة الرياح لتوليد 300 مليون واط.
تبني تكنلوجيا الطاقة النظيفة كالطاقة الشمسية الكهروضوئية (Solar Photovoltaic ) والطاقة الشمسية الحرارية المركزة (CSP) لأغراض توليد الكهرباء للمساكن والمدارس والمراكز الصحية والمرافق الإجتماعية الأخرى وضخ المياه لتوفير إمدادات مياه نقية للقرى الريفية ولأغراض السقاية والري, سيُحدِث بلا شك تغيّير كبير في حياة السودانيين وتقدما ملحوظا في أحوال معيشتهم ويدفعهم قدما في طريق التنمية الشاملة المستدامة.

بالإضافة إلي ذلك يتمتع السودان نتيجة لاقتصاده الزراعي بكميات كبيرة من مخلفات الانتاج الزراعي التي تصلح لانتاج الوقود الحيوي وتوليد الطاقة الكهربائي للقرى الزراعية وتوفير الغاز لاستخدامات الطهي والإضاءة المنزلية. كما تتوفر في السودان أيضا موارد الطاقة المتجددة الأخرى كطاقة الرياح الوفيرة في المنطقة بين البحر الأحمر والإخدود الإفريقي العظيم وفي وسط وغرب السودان, وطاقة حرارة الأرض الجوفية المتوفرة ايضا في ساحل البحر الاحمر وجبل مرة ومناطق صحراء بيوضه البركانية بالإضافة الي طاقة المياه المتدفقة في الانهار. الإستغلال الأمثل لموارد الطاقة الوفيرة هذه بالتأكيد سيمكن السودان من تحقيق نمو اقتصادي ضخم وتطوير كافة قطاعات الانتاج من زراعة حديثة وصناعات تحويلية ثقيلة وتعدين.

الوقود الأحفوري والطاقة غير النظيفة

تعد طاقة المياه الجارية (Hydro Power) من موارد الطاقة المتجددة الإكثر إستخداما في السودان والتي بدأ إستخدامها منذ الخمسينيات من القرن الماضي بواسطة مشاريع السدود الضخمة في الروصيرص وسنار وخشم القربة, لكن يوجد الكثير من الجدل حول إمكانية إعتبارها من الطاقات النظيفة خصوصا في حالة السدود الضخمة لما لها من آثار سالبة علي البيئة والتنوع الحيوي أيضا تساهم البحيرات الصناعية الناتجة من السدود الضخمة في انتاج غاز الميثان الذي هو أكثر خطورة في أثاره علي التغيير المناخي ويساهم بقدر يصل 30 ضعف أثر ثاني اكسيد الكربون في زيادة الإحتباس الحراري.
لصناعة الوقود الإحفوري الكثير من الآثار السلبية على التغير المناخي حيث تتطلب استكشاف احتياطيات النفط ازالة الغابات والتهجير القسري للعديد من المواطنين وتتسبب عمليات الحفر والإستخراج في تلويث مصادر المياه والتربة المجاورة لحقول النفط ويتسبب العثور عليه في العديد من النزاعات والصراعات المسلحة بين المواطنين نتيجة لاستهدافهم بغرض استغلال مواردهم,
وتساهم منتوجات إحراق الوقود الأحفوري من أول وثاني أوكسيد الكربون و مركبات النترات والكبريتات بصورة كبيرة في تلويث البيئة وزيادة أثر الإحتباس الحراري وتشكيل الأمطار الحمضية. ويهدد التغير المناخي العالمي ملايين الناس وذلك لما يسببه من جفاف وتصحر وتغيير في معدلات الامطار ومواقيتها بما يشكل تهديدا كبيرا لاقتصاد ومعيشة العديد من السودانيين.


نحو طموح أكبر في إنجاز ثورة الطاقة النظيفة و تجاوز معوقاتها

هناك عدة معوقات للتوسع في إستخدامات الطاقة المتجددة اهمها البيئة القانونية والإطار التشريعي الحاكم الذي لايشجعها وكذلك صعوبة الوصول للتمويل في ظل اوضاع السودان الراهنة من حصار وعقوبات إقتصادية ماثلة تضيّق من فرص الإستثمار.
هنالك معوقات إجتماعية منعت من إنتشار استخدام تطبيقات الطاقة النظيفة, في حالة الغاز الحيوي لم يتقبل العديد من السودانين استخدامه في الطبخ  لقذارة مصدره.  كما ايضاً من الطرائف أن بعض السكان وقفوا ضد توفير امداد المياه بالطاقة الشمسية وذلك لعدم تمكنهم من ملاقاة عشيقاتهم اللائي اصبحن لايخرجن لجلب المياه والتي كانت الفرصة الوحيدة للحظي بلحظات خلوة مع المعشوق في تلك المجتمعات المتحفظه, كما نقد بعض شيوخ ورواد خلاوي تعليم القرآن إطفاء نار التقابة (مصدر الإضاءة القديم ذي الهيبة والقداسة) واستبداله بمصابيح الطاقة الشمسية (LED) الوضاءة.
من الواجب علينا كسودانيين التوحد والسعي نحو إصلاح البيئة القانونية وتشجيع اصدار تشريعات تحفز وتعمل على زيادة استخدامات الطاقة المتجددة المتوفرة لدينا بكافة أشكالها وذلك بتنظيم الحملات وإطلاق المبادرات بالتعاونات مع مختلف منظمات المجتمع المدني والجهات العاملة في التنمية في السودان. كما اود الإشارة الي المجهودات الجبارة للجمعية السودانية لحماية البيئة في سبيل التوعية بمخاطر التغير المناخي العالمي وآثاره واتمنى من الجمعية السودانية للطاقة الشمسية أن تقوم بدور أكبر في تعزيز إستخدام طاقة الشمس لدرء آثار اكبر خطر محيق بالبشرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1