الرئيسية / المقالات والتحليلات / تغير المناخ وأثاره على واقع الصحة العامة في السودان

تغير المناخ وأثاره على واقع الصحة العامة في السودان


حكاية التهديد المتزايد والمرونة المتلاشية  للتصدي للمخاطر الصحية للمناخ المتغير في إحدى أقل الدول نموا

ظلت ملامح الفقر والتصحر والنزاعات الدموية تمثل ملامح المشهد الرئيس السائد في السودان طيلة الستة عقود المنصرمة من تاريخ إعلان استقلاله السياسي. عقب انقلاب عام 1989 العسكري تغيير سياسي كبير وتصاعد في حدة النزاعات في اقاليم السودان المختلفة وإهمال حكومي تام للخدمات الإجتماعية و للقطاع الصحي بالأخص مما أدى الي ترديه الي الحضيض الي اليوم. طيلة الثلاثين عاما الماضية لم تتجاوز مخصصات القطاع الصحي نسبة 2% من إجمالي الميزانية السنوية التي يذهب جلها نصيبا للإنفاق الأمني والعسكري, مما أدى الي التدهور المريع للصحة العامة في السودان ووضع القطاع الصحي في الصورة المذرية التي هو عليها اليوم من سوء إدارة وضعف إمكانيات وقصور مريع. بجانب هشاشة النظام الصحي السوداني الناجمة من سوء الإدارة وهزال القدرات والموارد البشرية, أسهم ضعف البنى التحتية وافتقار المدن لانظمة تصريف المياه والتخلص من النفايات بشدة في تدهور البيئة والصحة العامة وزيادة حدة وحجم الإخطار التي تحيق بحياة وصحة ملايين السودانيين الجسدية والنفسية دون أن يعوها.بإعتباره من أكثر البلدان عرضة وتهديدا من أثار التغير المناخي شهد السودان مؤخرا العديد من مظاهر تغير المناخ المتمثلة في تغيرات معدلات الأمطار ومواقيتها والسيول والفيضانات وانتشار الجفاف وندرة المياه بالإضافة الي العواصف الترابية الضخمة (الهبوب) التي عصفت بالخرطوم في 2006 وماتزال. أسهمت تلك الظواهر في زيادة تدهور الوضع الصحي في معظم اقاليم السودان وازدياد إنتشار أمراض مثل الملاريا والربو والكوليرا والإسهالات المائية.
سأتناول في هذا المقال ابعض من الأثار التي تركتها ظواهر تغير المناخ في واقع الصحة العامة في السودان وأطرح بعض المقترحات لأخذ فعل في إتجاه تحسين الأوضاع.

الملاريا وتغير المناخ في السودان

الملاريا من أخطر الأمراض المميتة الحساسة للمناخ واكثرها إنتشارا في السودان والقارة الأفريقية, حيث يموت طفل واحد كل دقيقة في أفريقيا نتيجة للإصابة بالملاريا وتحصد 22% من وفيات الأطفال. إجريت العديد من الدراسات واخضعت للبحث اثر التغير في عوامل المناخ على انتشار الامراض المعدية والمنقولة بالحشرات وخلصت إلى أن علاقة طردية تربط ارتفاع درجات الحرارة وزيادة هطول الأمطار والزيادة في توالد الكثير من الحشرات الناقلة للامراض وتوسع مجال حركتها مما يعني زيادة إحتمال إصابة المواطنين بأمراض مثل الملاريا. تلقى السودان خلال العامين المنصرمين دعما يتجاوز 50 مليون دولار امريكي للتصدي لمرض الملاريا. لكن رغما عن ذلك ظل وضع المرض في السودان يزداد سوءا حيث سجلت اكثر من 1.9 مليون إصابة في عام 2015 وحده وتجاوز عدد الوفيات بالملاريا 6800 حالة. قد يعزى هذا الوضع المتردى للعديد من الإسباب أجد من أهمها ضعف المعرفة الإدارية والإمكانيات المادية وعدم الإهتمام بتوعية المواطنين واشراكهم بفعالية في جهود مكافحة المرض. كلي أمل في أن يشارك الشباب والناشطين في العمل المناخي مستقببلا في تقديم مبادرات منظمة لتحسين الصحة العامة والاهتمام بمكافحة الملاريا.

تلوث الهواء أخطار جمة على صحتنا في أماكن السكن والعمل والتنقل
اضافة الي إسهامها في ظاهرة الإحتباس الحراري تسبب العديد من ملوثات الهواء مثل غازات اول وثاني اوكسيد الكربون امراضا خطيرة في الجهاز التنفسي مثل الربو والتهابات الشعب الهوائية. كما يعتبر الميثان واوكسيد النيتروجين والكبريت موادا سامة قد يؤدي إستنشاق كميات معينة منها الي الوفاة. كما يسبب تلوث الهواء والبيئة الداخلية للمساكن نتيجة للطبخ باستخدام حطب الوقود والفحم والمواقد التقليدية الكثير من الامراض للأطفال والنساء. مؤخرا ازدادت ظاهرة العواصف الرملية الضخمة والتي تسبب ايضا مشاكل في التنفس وتهيج امراض مثل الربو والحساسية. يمثل تلوث الهواء خطرا كبيرا علي الصحة العامة ويجب علينا العمل على الحد من كل الممارسات التي تسببه و المساهمة في نشر التكنلوجيا المنخفضة الانبعاثات مثل المواقد المحسنة والكهربائية ودعم تحول نظم المواصلات لنظم حديثة نظيفة واستخدام طرق توليد الطاقة النظيفة.
النزوح كنتيجة لتغير المناخ واثاره علي الصحة النفسيةسبب التغير في معدلات الامطار وندرة المياه وانتشار الجفاف والتصحر نزوح العديد من المجموعات السكانية في السودان الي ملاجئ بيئية تمنحهم أمنا غذائيا ومائيا أوفر. نتيجة لهذه الهجرات والتنقلات الكبيرة ازدادت الصراعات على الموارد المتلاشية وتصاعدت حدتها مما ادى الى وفاة الاف الاشخاص وتدهور حياة الملايين وتشتتهم في معسكرات نزوح قاحلة في بيئة مختلفة وشروط حياة بائسة. ادت كل هذه العوامل الى تحطيم معنويات وتدهور الصحة النفسية لاولئك الضحايا وجعلتهم غير قادرين على المساهمة في تحسن اوضاعهم بل قابعين في حلقة مفرغة من الصراعات والحروب.
يحمل تغير المناخ الكثير من المهددات على صحتنا علي جميع المستويات العام والشخصي كما يهدد صحتنا الجسدية والعقلية. لذا من الواجب علي كل المهتمين بانسان السودان ومستقبله العمل العاجل بعد التفكير الشامل في كيفية تلافي هذه المخاطر والافادة من فرص التضامن العالمي والتمويل المتعلق بتغير المناخ في مجابهتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1