الرئيسية / المقالات والتحليلات / المقاومة _ مفاهمات و حوار (1)

المقاومة _ مفاهمات و حوار (1)


(كل ما يرد تحت هو آرائي الخاصة لا تمثل أية مجموعة أو جهة منعاً لأية إلتباسات) 

عصام جبرالله
المقاومة .. مقاومة الاستبداد و الظلم و القهر و التمييز فعل مستمر، لا إستثناء لبلد أو مجتمع، تختلف ظروف البلدان و المجتمعات و تختلف تفاصيل، لكن و الآن تتعرض البشرية لهجوم كاسح يستهدف حقوقها و حرياتها و مواردها و يسعى للهيمنة الكاملة الشاملة عليها، و كل يوم تبذل هنا و هناك آلاف و آلاف افعال التضحية و المقاومة صغيرها و كبيرها، لكنه ليس مقام التفصيل في هذا .. الأمر أننا لسنا إستثناء .. و لسنا وحدنا .. و هناك خيوط رفيعة تربط كل هذا و إن لم تبد واضحة. و أيضاً لنا خصوصية قضايانا. 
لا توجد اجابات جاهزة أو سهلة و لا يملك أحد كل الاجابات وإن إدعى ذلك ، لا يوجد كتالوج أو نماذج معدة للتطبيق لا توجد طرق مختصرة و واضحة ، هناك صعود و تقدم و تراجع، انتصارات و هزائم، مكاسب و خسائر بسيطة و عظيمة، جسارة و خيانات، تماسك و خذلان، أفعال و حلول خلاقة و أخطاء فادحة "غبية" الأسباب. لا أحد يملك منتهى 
الحكمة ليخرج الأفكار الذكية. 
هناك من يختار السير في هذا الدرب أما لأن لا خيارات أخرى أمامه للبقاء .. أو لأن هذه خياراته الخاصة .. و في الحياة هناك متسع لخيارات أخرى مشروعة .. نماذج الإنحياز الواعي للمقاومة تملأ كتب التاريخ .. ليس أولها و لا آخرها مانديلا و شعب جنوب أفريقيا .. رغم كل القتامة التي توشح الارض و صعود تيارات يمينية فاشية عنصرية شوفينية متطرفة دينياً في الغالب تغذيها و تدفعها سياسات النيوليبرالية العالمية ، تشعل الحروب و تتربح منها و بها و تستغل أزمات حقيقية موجودة في المجتمعات و توسعها و إن لم تجد فانها تفتعل أخرى ، مثلما يعلم الكل من المستفيد من حروبات سوريا و العراق و ليبيا كمثال و من تقفز أسهمه في البورصات .. يوماً ما سيعلم شعب السودان من تكسب بشكل مباشر أو غير مباشر من ذبح البشر في جنوب السودان و دارفور و جبال النوبه و جنوب النيل الازرق و من إنتفخت حساباته من السدود و تفكيك مشروع الجزيرة و هدم التعليم و الصحة و تفكيك المستشفيات و من عرق ستات الشاي و أطفال الدرداقات و من تجنيد المشردين و اليتامى و الفقراء .. سيأتي يومه. 
هذه المقدمة ضرورية .. ليس من أجل التنطع النظري .. بل لمحاولة رؤية الغابة بدلاً عن الشجرة: شجرتنا أو شجرة غيرنا .. و لأن تدخلات القوى الاقليمية و الدولية أصبحت أشبه بشرب الماء و الاستثمار فيها أصبح سمة مميزة لأنظمة الاستبداد من حولنا أو بعيداً عنا و التدخل و التحكم في مصائر الشعوب و إقصاءها عن تحديد مصائرها و تحويلها لمجرد كومبارس مقموع و مشرد و لاجئ صار جزء رئيسي و فاعل في اللعبة.

ثم نأتي للجزء المهم الخاص بنا في المقاومة :

من المهم التأكيد لما ورد في الجزء الأول أن لا يتوقع أحد حلولاً سهلة أو إجابات جاهزة أو وصفات سحرية، كل الحلول و الاجابات تتطلب مساهمات نظرية و عملية من اغلبنا، أفراداً و مجموعات ،جوه و بره السودان. سنتحدث عن بعض "البديهيات" التي يعلمها كثر لكنها إما سقطت في الطريق أو هجرناها قنوطاً و سأماً و فقدان أمل .. لا مفر منها .. يجب علينا استعادتها و تعلمها مجدداً و تجويدها و تحسينها و تنويعها.. مثل الاطفال ما حيتعلمو شي دون فعل و تكرار نفس الحركة معهم مئات المرات ليتعلمو الكلام و المشي و "الوعي" بانفسهم و ما حولهم قليلا .. لكنهم يتعلمون …

تنظيم و بناء حركات مقاومة
مشكلة رئيسية في الفهم و التعامل مع حركة المقاومة أن الإنتباه و الاهتمام العام بها يحدث فقط عند الأفعال و الانفجارات الكبيرة، تظاهرات..إعتصامات .. إضرابات و غيرها من أفعال المقاومة المرئية و الملموسة للرأي العام، هي مشكلة لأن الشخص غير القريب من الحراك نفسه لا يعلم ربما أن الفعل المحدد (إضراب .. تظاهرة) قد سبقه و بزمن عمل مجهد و مضني لتأسيس جسم ينظم جهود الناس للدفاع عن حقوقهم وإقناع الافراد للانضمام إليه واضعين في البال المخاطر الكبيرة التي قد يتعرضون لها، ده عمل شاق و لا ينطبق فقط علي الاجسام النقابية و السياسية فقط بل على أي عمل جماعي منظم .. جالية، رابطة، إتحاد، فريق كورة. اضف لذلك "أمراضنا" المميزة لنا التي تظهر بجلاء في العمل الجماعي و العام. كل هذا و اأنت تواجه في خصم يعلم جيداً أن بقاءه يعتمد بالكامل علي تكسير و تحطيم أي عمل جماعي موجود .. قيادة الانقاذ و قبل الإنقلاب كانت واعية بالكامل و جاهزة بخطة تستهدف تفكيك و هدم كل المؤسسات التي قد تهدد وجودها سواء كانت سياسية أو نقابية إما بمحو وجودها أو بالسيطرة عليها. إمتد هذا حتي للمؤسسات الاجتماعية التقليدية كالقبيلة و العشيرة و الاسرة الممتدة التي علي تقليديتها كانت تحفظ تماسك المجتمع التقليدي، كل هذا لأنها تعلم أن المجتمع المفكك و المتصارع في ما بينه سهل الانقياد. 
رؤية حركة المقاومة في لحظة تاريخية واحدة أو لحظات متفرقة ، إنتصارات أو هزائم كانت أو خليط منها، تقود للاستنتاجات الخاطئة – و المشاعر المتطرفة ، لحظة انفجار هبة سبتمبر أو لحظات السحل الاجرامي للمتظاهرين نهارا في الشوارع، لحظات خروج تظاهرات يناير الاخيرة يومي 16 و 17 يناير أو لحظات تراجعها بعد حملات الاعتقالات الواسعة .. اللحظتين منفصلات و مستقلات عن ما حولهما و ما سبقهما في الحدثين ليست كافيات للخروج باستنتاجات و مشاعر نهائية. 
الفارق الجوهري أننا انتقلنا ببطء و صعوبة من خانة رد الفعل العفوي و قليل من العمل المنظم المحدود إلى خانة الفعل المنظم الواعي حتي لو بحده الادنى و الهادف في ذات الوقت لاستيعاب أكبر قطاعات و قوىو كل هذا في سياق حراك حقيقي و ليس عبر تحالفات و مواثيق فوقية كما كان يحدث في السابق …. هذا تحول نوعي هام و حاسم لمستقبل المقاومة و يوضح أن المسار العام في إتجاه صعود ايجابي يجب دفعه و المحافظة عليه.
لماذا كل هذا الاسهاب؟ لتوضيح أهمية العمل المنظم. و تبدو كلمة المنظم أو التنظيم كبيرة  و معقدة، المقصود ليس ذلك. 
ليس المقصود بناء تنظيمات و هياكل و مناصب إلخ .. المقصود هو بذل مجهود واعي و واقعي لتنفيذ واجبات و مهام تدعم عمل المقاومة في الفترة القادمة، كأفراد أو مجموعات وأينما كان موقعنا .. لا يوجد تصور محدد لشكل تنسيق أو لما يجب أن يفعل ، كل فرد و مجموعة حسب إمكانياتهم و ظروفهم .. لا إلزام و لا قسر.. ما يهم هو الواقعية و الجدية و المثابرة في تنفيذ ما يعتقد الفرد أو المجموعة أنه مفيد بابسط تكلفه مالية و زمنية. 


*نتناقش في (2) عن محفزات وأفكار لكيفية المساهمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1