الرئيسية / المقالات والتحليلات / السودان, تحديات وفرص مجابهة تغير المناخ

السودان, تحديات وفرص مجابهة تغير المناخ

 

تشير احدث دراسات التاريخ القديم الي أن بداية عملية الأنسنة (ظهور اللغة، توليف الحيوان، الزراعة، الفنون) لنوعنا البشري الحديث الإنسان الحكيم   (Homosapien)   قد تمت في السودان، ولفترة طويلة من الماضي عاش أسلاف جميع البشر في المنطقة بين البحر الأحمر وبحيرة تشاد. وأرجع العلماء ذلك لكون منطقة السودان ملجأ بيئيا مثاليا بالمقارنة ببقية المناطق في تلك العصور السحيقة.
الآن يعتبر السودان من الدول الأكثر تهديدا بتغير المناخ، وقد شهدت معظم أقاليمه منذ خمسينيات القرن الماضي إلي اليوم تغييرات كبيرة في الأنظمة البيئية، وتردي ايكولوجي مريع نتج من ممارسات بشعة من توسع غير مخطط في الزراعة الآلية المطرية واستنزاف الطبقة العليا من التربة وإزالة الغابات للوقود وازدياد التصحر وانخفاض معدلات الامطار وزيادة عدد السكان والثروة الحيوانية.
 الأزمة في إقليم دارفور, احدى اسوء الازمات الانسانية في التاريخ, لعب فيها التردي البيئي والجفاف وزحف السافنا جنوبا دورا كبيرا وساهم في إشعال الصراع المسلح علي الموارد المائية, كما سبب وزاد من زحف بدو الصحاري الرعاة بحيواناتهم الي الواحات وتعديهم على مزارعيها. وثق باحثون العلاقة الطردية العكسية بين تزايد النزاعات المسلحة وانخفاض معدلات هطول الامطار في دارفور.
هذه المقدمة توضح أن التغيرات والاضطرابات في المناخ بالإضافة لتهديدها واثرها المباشر على الإنتاج الزراعي والإقتصاد تساهم في زيادة وتائر الصراعات المسلحة في المجتمعات متعددة العرقيات و إن تغير المناخ يمثل عقبة كأداء أمام تحقيق التنمية المستدامة للمواطنين الموزعين علي الكثير من المجتمعات الهشة. لذا فمجابهة اخطار التغير المناخي تحتاج إلى جهد جماعي وسند مالي محلي وعالمي وهي واجبة بالضرورة لتحقيق التنمية وصون السلام في السودان.

تمويل مجابهة تغير المناخ

بمشاركة السودان في عملية مفاوضات وإعلان باريس للمناخ في نوفمبر 2015 (COP21) وإنضمامه لملتقى التهديد المناخي (Climate Vulnerable Forum CVF) إصبح بالإمكان التحصل على العديد من المنح عبر إليات التمويل العالمية مثل مرفق البيئة العالمي (Global Environment Facility GEF) وقرض المناخ الأخضر  (Green Climate Fund GCF) . بينما تمثل هذه القنوات فرص جديدة لتدفق الأموال إلي السودان, من المهم ايضا ان تستهدف تلك الاستثمارات المجتمعات والقطاعات الأكثر تهديدا بتغير المناخ, مثل المياه والزراعة والصحة.
قدم السودان قائمة بالمساهمات المقصودة والمحددة محليا (INDCs) التي سيبذلها خلال 5-10 سنوات في إطار التكيف مع تغير المناخ ودرء أثاره. وتشمل برامج عمل في قطاعات الطاقة والغابات والمخلفات كما تشمل في اطار التكيف مع تغير المناخ برامج في قطاعات الزراعة وموارد المياه والصحة العامة. ويحتاج لتطبيق هذا البرامج حسب التخطيط الي دعم مالي يقدر ب 12.88 مليار دولار امريكي سيتم توفيرها من كافة مصادر تمويل المناخ الدولية المتاحة بالإضافة الي مساهمات من الحكومة المركزية والحكومات المحلية.

تحديات مجابهة تغير المناخ

تدني مستوى الوعي البيئي عند صناع القرار السياسي  وإدراكهم لحجم المخاطر المرتبطة بتغير المناخ وضعف الإرادة السياسية والالتزام وعدم الجدية الكافية في تضمين برامج التكيف مع تغير المناخ ضمن التخطيط القومي يضاعف من تهديد قطاعات الاقتصاد السوداني وحياة السودانيين.
ضعف قدرات المؤسسات والأفراد علي المستويين الولائي والقومي يعيق تحقيق الفوائد المرجوة من تطبيق اي خطة عمل قومية للتكيف مع تغير المناخ.          
ضعف التمويل نتيجة لظروف الحصار الإقتصادي وتراجعات الولايات المتحدة الأخيرة عن مساهمتها في تمويل مجابهة المناخ وعدم تناسبه مع حجم المشاريع المقترحة علي المستويين المحلي  والعالمي ينذر بإخفاق تنفيذ المواضيع الرئيسية المقترحة في خطة العمل القومية للتكيف مع المناخ.

من الواجب تحقيق الفائدة من الفرص التي قد تظهرأيضا نتيجة للعمل, علي سبيل المثال من الممكن ان تساعد عمليات التكيف مع اثار تغير المناخ في تيسير وضع وتنفيذ سياسات استرتيجية مجربة وأكثر اتساقا وتهيئة فرص للتعاون وبناء القدرات وتبادل الخبرات.
في اواخر عام 2015 شهد العالم بباريس توقيع اتفاقية تغير المناخ التاريخية, واذا كان للناس ان يصمدوا امام صدمات واجهاد تقلبات البيئة يجب أن يفوق طموحهم وتعاونهم مستوى هذا التجاوب العالمي. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1