الرئيسية / المقالات والتحليلات /  الحب في زمن الناسور

 الحب في زمن الناسور

   فشلت الابتسامة التي تضئ وجهها في إخفاء آثار التعب والمعاناة التي امتدت لسنوات خمس.. طال المشوار الذي ظنته في البدء قصيرا مع العمليات الجراحية واحتمال الألم على أمل التخلص من الحرج ونبذ المجتمع لها ولأمثالها.. أخبرتني ماري أن عائشة كانت في الرابعة عشر من عمرها عندما جاءت الي المستشفى أول مرة.. تتكئ على ذراع أمها وتئن من آلام المخاض وضغط جنين لم ير النور حياً وأورثها وجع الثكل وحرج الناسور.. ربما لم تعي تماما كلمات الجراح وهو يخبرها أن عليها الانتظار حتى يشتد عودها ثم العودة للمستشفي لإجراء الجراحة وإيقاف سيلان البول.. أذكر جيدا المرة الأولى التي دخلت فيها لعنبر النساء المنتظرات دورهن مثلها.. صعقتني رائحة البول والعطن كمارد تقف أمامه جميع المطهرات والمنظفات عاجزة تجر أذيال الخيبة وتستلقي النسوة علي أسرتهن مستسلمات له.. تقول ماري أن عائشة غادرت المستشفى صبيحة ذلك اليوم كما جاءت.. متكئة على ذراع أمها.. تتحسس ثوبها المبتل حرجاً وتبكي وليداً دفنته ودفنت معه صباها..

عادت عائشة بعدها للمستشفى مرات ومرات.. أجريت لها أربع عمليات وباءت بالفشل.. كانت التفاصيل تكرر نفسها في كل مرة.. تأتي مع أمها أو أختها.. تنتظر أياما قد تطول حتى يأتي دورها.. ترتدي لباس غرفة العمليات وتمني نفسها في صمت.. تنتظر يوما.. يومان.. أسبوعا.. ثم يعود خيط البول متدفقاً.. ماداً لسانه لها ولأحلامها وللطبيب.. وكأنه يصر على البقاء متمسكاً برائحة العطن.. في المرات التي تلت.. كانت تأتي وحدها.. تعبت أمها وأخوتها من المشوار الطويل بين القرية والمستشفى ومن البقاء أياما ,اسابيعا يمارضنها.. اقترحن عليها الاستسلام لقدرها .. مطلقة بعد أن رفضها زوجها.. تفوح منها رائحة البول وتنظر للأرض حياءً.. لكن عائشة.. أصغرهن.. كانت الأكثر عناداً وإصرارا على مفارقة تلك الغرفة المنعزلة في منزل أهلها.. رفضت أن تمضي حياتها في منفى تستحي الخروج منه ولا تقوى على ملاقاة صديقاتها وجاراتها..

تأتي وحدها.. ترافقها ابتسامتها وفرحة العاملين في المستشفى برؤيتها.. جميعهم يعرفونها.. لم تعد مريضا يحمل رقماً في ملف.. بل صديقة ينادونها باسمها ويتسابقون في خدمتها تعويضا عن غياب أهلها وإكباراً لشجاعتها.. من بين كل العيون التي تحتضنها كانت عينا يوسف الأحب إليها.. يكاد يتعثر في خطواته في كل مرة وهو يركض نحوها ليحمل حقيبتها الصغيرة ويرافقها إلي العنبر.. كان دائما هناك.. آخر صوت يدعو لها قبل أن تدخل غرفة العمليات وأول صوت يسألها عن حالها عندما تستفيق.. همست تيريزا في أذني وهي تبتسم بغبطة.. إنه الحب.. يمد لسانه لهذه الرائحة النتنة وينتزع ابتسامة وخفقات قلب رغم التأرجح من فشل الي فشل.. في كل مرة تدرك فيها أن العملية لم تكلل بالنجاح .. كان قلبه ينزل مع قطرات دموعها ويخبرها أن الاستسلام ليس خياراً..

خمس سنوات .. أربع جراحين.. سبع عمليات .. قبل أن يعلن الجراح أن نجاح العملية الأخيرة.. كان الاحتفال في المستشفى بتخريجها أشبه باحتفالات الأعياد.. رقصت عائشة وسط زغاريد النسوة وضربت الأرض بقدميها تتحدى الاستسلام .. حمل يوسف حقيبتها وغادر معها إلى القرية على وعد منهما بحفل زفاف آخر في المستشفى.. 

اعتدت أن أرى في الأفلام قصص الحب تبتدئ في حدائق جميلة أو حفلات أنيقة وأمسيات هادئة.. لكن هذا الصغير الذي يطلق أسهمه جزافاً والمسمى كيوبيد لم تمنعه آهات الألم ورائحة العطن ودموع النسوة من بعثرة دقات القلوب..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1