الرئيسية / المقالات والتحليلات / الا آثارنا الا حضارتنا النوبية ! من ينقذنا من الإنقاذ؟؟ !

الا آثارنا الا حضارتنا النوبية ! من ينقذنا من الإنقاذ؟؟ !

ويسيل لعاب الإنقاذ من جديد لسدود جديدة!

تأبى كل ديكتاتورية يبتلى بها السودان إلا أن تترك بصمة غائرة وممضة في صميم تاريخنا التليد، كما هو الحال مع الواقع الشائه أصلاً، جراء الحلقة الجهنمية التي تطحن البلاد فى دائرة العسكر – ديمقراطية – عسكر، والتي أصبحت لفرط تواترها ملهاة و مأساة بكل المقاييس.

وإذا كانت فرائص السودان ما زالت ترتعد تحت وطأة فعلة ديكتاتورية عبود، التي أغرقت قدراً غير يسير من آثارنا في منطقة حلفا القديمة، التي تحتوي على كنوزنا الأثرية من ممالك تاريخ السودان القديم ،والتي ذهبت بين غمضة عين و انتباهتها لأجل عيون بحيرة ناصر،  فإن البلاد تنظر بعين الرعب لنظام الإنقاذ، وهو يستعد للإطاحة بالبقية الباقية من الآثار، لأجل عيون السدود وكل مرة سد جديد في منطقة جديدة!

 مأساة سد مروي ما زالت ماثلة، فالسد  لم يكن مهدداً لحياة 119 موقعاً أثرياً بالتمام و الكمال، بل أودى فعلياً بحيوات الكثير من المواقع الأثرية، وهذا بالمناسبة ليس كلامي، إنما هى صرخة تحذير أطلقها لوكالة رويترز للأنباء قبل سنوات د.صلاح محمد أحمد نائب المدير العام للهيئة القومية للآثار و المتاحف – وليقل لي أحدكم لو كلفته هذه الصرخة الـ(حقانية)  منصبه وأحسب أنها فعلت !قال الخبير الأثري وقتها إن الآثار المهددة بالغرق، تمثل كل فترات تاريخ السودان من العصور الحجرية حتى الإسلامية، ومن بينها مدافن ومساكن ترجع للعصر الحجري الوسيط، ويتراوح تاريخها بين 25و30 ألف سنة، وآثار حضارة كرمة التي ازدهرت من عام 2500 وحتى عام 1500 قبل الميلاد ،إضافة إلى آثار من مملكتي نبتة و مروي و حصون عسكرية مسيحية و آثار إسلامية و رسومات قديمة على الصخور، حيث بدأت المسوحات الأثرية في المنطقة منذ نهاية الثمانينات على بعد 41 كم من مدينة مروي، وتغمر مياه السد 170 كيلومتراً مربعاً إضافة لعدد كبير من الجزر المأهولة بالسكان والحافلة بالآثار ! والسيناريو الذي حذر منه الخبير حدث بالضبط وابتلعت المياه الغاشمة حضارتنا وآثارنا وتم تهجير الأهالي لصحراوات قواحل!

لم تقتصر تأثيرات إنشاء سد مروي على آثار المنطقة التي شيد فيها فقط،   بل تعدتها إلى الصروح التاريخية في نبتة ونوري و البركل والكرو، والتي يعود تاريخها إلى عهد ملوك عظام مثل بعانخي الذي أسس أسرة حاكمة في مصر عام 725 قبل الميلاد، وابنه تهراقا الذي امتدت دولته حتى البحرالمتوسط.

التغييرات المناخية لعبت لعبتها فكان لها  تأثيرها السلبي على الآثار المبنية من الحجر الرملي و الاهرامات والغرف الجنائزية زاهية الالوان !!!!!!!

يا إلهي! و ماذا يتبقى لنا  ؟؟؟ أولم يكفِ الإنقاذ أنها احتلت لنفسها موقعاً قسرياً في تاريخ السودان، كأسوأ وأقسى نظام للحكم شهدته البلاد بكل ما أتى به من [مؤشرات للنهضة وأبعاد للتحول الحضارى] على طريقتها الخاصة جداً، التى شوهت مكامن الجمال والإبداع في بلادي، مفسحة المجال لكل ما هو قبيح وكئيب ليبتكر وسائل يومية لتعذيب المواطن المقهورأصلاً؟؟؟؟

كجبار لم تتدفق مياه لتغطي آثارنا ومعالم حضارتنا فقط، بل تدفقت دماء زكية للبسالة السودانية كأروع ما يكون، إذ حصد الأرواح رصاص الغدر والغيلة!

الحامداب..

أمري..

قهر النظام وقساوة الطبيعة..

الموت بالأسودين..

والحية الإنقاذية تسعى بالهلاك..   

أو لم يكف هذا النظام الغريب عن قيمنا، أنه فعل بالبلاد بمفرده وفي أقل من ثلاثة عقود من الزمن، ما لم تفعلها به إحن الدهر وصروفه ومفاجآته غير السارة مجتمعة، حتى يأتي اليوم ليمد أياديه – غير البريئة- ليطمس أهم ملامح تاريخ و حضارة هذا البلد الصابر، والذي كان آمناً قبل أن يروعه نظام الإنقاذ؟؟؟

إن كل ذي قلب يعي يدرك جيداً، أن عائدات مشاريع التنمية لا تكون ذريعة مناسبة لإنشائها على حساب المواقع الأثرية، وحتى لو حولت معظم الآثار المهددة بالغرق بمياه سد ما لمناطق جديدة، فإنها لن تسلم بالطبع من عمليات التلف ناهيك عن تغير القيمة السياحية للموقع الجديد، باعتباره ليس المكان الأصلي للأثر، هذا لو سلمنا جدلاً، أن عائدات التنمية سترجع لصالح البلاد لا لصالح جيوب البعض كما يعلق عدد غير قليل من الخبثاء!!

وإذا كانت النذر التاريخية و الاقتصادية و الانسانية لفشل مشاريع السدود قد لاحت فى الأفق، بل وأكدت الأيام فشل السدود كمشاريع تنموية، لم ير المواطن لها عائداً سوى الترهيب أن (الرد بالسد) بينما كان الرد ب(الصهينة) ، فمن واجب المفكرين و المثقفين و الساسة و أصحاب الاهتمام الضغط على هذا النظام لإيقاف المشاريع – الجريمة!

وإذا كنت أفهم جيداً لماذا تستهدف أي ديكتاتورية تاريخ البلاد، رغم أنها تعرف سلفاً أنها ستحتل ركناً غير أنيق في مزبلته، فإنني لا أفهم لماذا لا يجيبني أحدكم: من ينقذنا من الإنقاذ؟؟؟؟

لنا مهدي

lanamahdi.news@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1