الرئيسية / المقالات والتحليلات / الاستاذ عبده كنتباى يكتب عن رواية “امي وحكايات المدينة عرب”

الاستاذ عبده كنتباى يكتب عن رواية “امي وحكايات المدينة عرب”

سيأتي قولي عن "بيرث" و مبادرتها النبيلة في حلقات لكنني سأبتدرها هنا بهذه القراءة النابهة و لعلَّ الولوج لعظمتها يأتي من أبوابٍ عديدة أعذبها أنَّ الأستاذ " عبده كنتباى " من أرتريا التي نتقاسم معها الْحُلْم حيث الحدود تتوهمها السياسة و المشترك أعظم من أن يستوعبهُ الساسة قصار الأفق ، سأترككم بين يديَّ كتابته التي ستقولنا أجمعين .

أنطباعات قارئ عن رواية :-
أمي وحكايات المدينة عرب
 لـ محمد سيف الدولة أحمد محمد صالح

 
الأخوة أصدقاء مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي و ألاحبة الحضور مساء الخير
 " أنَّ من دواعي سروري و غبطتي أن أقف بينكم اليوم و ليس هنالك ما يميزيني عنكم ، فأنا لست أكاديميا متخصصا في مجالات النقد أو غيره من ضروِ الكتابة التي تتطلب أعمال أدوات و مناهج التحليل الأدبي  لهذه الرواية التي بين أيدينا حتى و أن كنت أتعاطى الكتابة كوسيلة من وسائل المقاومة و التغيير ، ولكني شغوف بكل الأشكال الأدبية  شعراً و نثراً و سرد ، لكلِ هذا فما سو ف أقدمهُ هنا لا يخرج عن كونه مجرد أنطباعات قارئ .
تعرفت على الأخ محمد منذ قدومه الى مدينة بيرث في العام ٢٠٠٣م حيث جمعتنا مناسبات عديدة في أيامنا الأولى تلك بمنزل الاستاذ محمد أدروب و أماكن أخرى ، حينها كانت الفرص  متاحة لبعض الأنشطة الثقافية فالقلوب بكرة و خصبة للتفاعل والعطاء والقبول ثم جمعتنا ليلة عمل أدبي  في ٢٠٠٨م كان الأخ محمد قد بدأها و أهتمت بسيرة الأخ محمد دين و علاقتهُ بألة "البسنكوب" (( الطمبور ، الربابة …..الخ )) ، في تلك الأمسية جذبتني لغة الشاعر  و الروائي محمد سيف الدولة المليئة بالصور و الأحاسيس فتمنيت لو أني أقرأ لمحمد أى عمل أدبي و كنت على قناعة تامة بأنَّ محمد يمتلك ما يفوق تلك الأمكانية ، تحققت النبوءة  و كانت فرحتي عظيمة عندما  وصلني نبأ  كتابة محمد لروايته ثُمَّ فوزها بجائزة الطيب صالح للأبداعِ الروائي لدورة ٢٠١٥م و تكررت فرحتي حين أستلمت نسختي منها وبدأت في إلتهامها و كانت ممتعة  و لذيذة .
عند قراءة رواية " أمي و حكايات المدينة عرب " تنتابك  حالة غريبة من الفرحة و الغبطة والإنكسار  و بين تقطيبة و إبتسامة تمضي بك الرحلة حول المدينة في ثلاثة و عشرين محطة هي فصول الرواية ، مصفوفة من الشخوص  والأمكنة ينضمها الكاتب كما المسبحة بين أنامله ثُمَّ يطلقها  واحدة تلو الأخرى في متوالياتٍ من الحكي ، حيث تتداعى الشخصيات و الأماكن و أن بقيت الأم مركز كل شئ و برغم من إنها تتقاسم مع المدينة  عنوان الرواية لكنها لم تحاول سرقة الأضواء  لنفسها و لا حاولت الأنفراد بالمشهدِ كلهُ  و مع ما أضفتهُ  على النص من قداسة الا أنها أفسحت المجال حتى تشع و تظهر بجانب نورها و بريقها الأشياء و الشخوص و الأمكنة الأخرى في إطار يبدو و كأنه لوحة سريالية تتداخل فيها مضارب الفُرشَ و الألوان دون أن تفقد اللوحة ظلالها أو تندلق ألوانها الى الحواف ، كذلك هو الحال بالنسبةِ  للشخوص المتزاحمة في صفحات الرواية و بين سطورها فبرغم هذه الكثافة التي قد تصل الى خمسة عشراً عنصر منها في مشهد  أو فصل واحد لكنها تنساب كمياهِ نهر عذب على طولِ حكايات الرواية الثلاثة و العشرين و المدهش أن الشخوص لم تحاول أيضاً الأستثأر بالمشهد كله لكنه أنسابت مثلما مياه ترع المزارع و نسمات حواشاتها مفسحةً المجال للأمِ لتأخذ حضورها البهي وسط  كل شئ .
حاولت  معرفة عدد الشخوص التي يمكن أن تتكرر في الفصل و كان الرقم كبيراً مما جعلني أنظر بإعجابٍ للكاتبِ الذي تمكن من إستخدام هذه الذاكرة الفردية ليؤرخ للمدينة و أهلها و أن يتمكن عبر صورهُ المبدعة التعبير عن قضايا الناس و حراكهم و نضالاتهم اليومية كما رصد التظورات الأجتماعية و السياسية و الأقتصادية  بصورة لم يكن ليتسنى لمؤرخٍ أن يكتبها بهذه الدقة ، لكل هذا فلقد عبَّرت الرواية  عن تأريخ للمدينة عرب .
هنالك شخوص تكررت عبر كل المحطات الثلاثة و العشرين أو بعضها حسب المسافة ما بين القلب و الذاكرة:
(( فاطنة بت حوه :- سنبلة خضراء ، "تُكلها" متخم بلقمة شهية لكنها في ذاتِ الوقت شرشة إن حدَّق بوليدها خطر فهي كالرعدِ الذي يمنع عنكم السقيا و المطر .
الوالد و أخيه النحوي :-  ليلة سمر طويلة و ضحكة حب صافية .
فائزة الشقيقة الكبرى وسادة ملئ بالأحلام و متكأ عند طول الحكاية .
الشقيق السر فاكهة المنزل و خيال الحكاية .
الشقيقة منى: شركاء في خطوط " الطرادة " عدا أنها صورة الأم .
حسب الرسول نبي يطارد أشباح الظلام .
زهرة بت طاشين وحفيدتها و غيرهم )) ….
 
جاءت لغة الرواية بقدر جمال المكان وأهله ، لغة جذابة تحمل في أحشائها كم هائل من الشعرية ، لغة خصبة  بصور جميلة  يضعها الكاتب في إطارات نادرة  للتعبير عن شخوص المدينة و أماكنها و أحداثها و لا بأس في أن تأتي في أوعيةٍ دارجة يدلقها الكاتب على المدينة فتزدان الشوارع و الأزقة و البيوت و الحواشات و ألاسواق و الترع و يظهر ما خفي منها و نُسي .
خاتمة :-
أنَّ الكاتب الذي يدفع بكتابه الى المطابع ثم ألى أحضان القارئ في سبيل طرح فكره و تجاربه و رؤاه عبر شكل أدبي  أو خلافه يصبح ما يطرحه شئ عام يحاول القارئ أن يجد فيه ما يُماثل مسيرة حياتهُ الخاصة أو ما يشابهها .
أهداني صديق في الثمانيات رواية " داغستان بلدي " لرسول حمزاتوف حيث وجدت فيها نفسي و شممت رائحة بلدي و حشائش جبالها و رأيت زهور الخريف على حوافِ الأودية ، و سمعت تداخل أصوات الغنم أو البقر و هي عائدة في المساء  و ثغاء أطفالها و لهفتهم لملامسة ضرعها و تذكرت عبق الأبخرة و الدخان المتصاعد من الزرايب ، هكذا كان الأمر مع رواية "'محمد سيف الدولة أحمد " إذ تشابهت التجارب ، تلاقى بعضها  و تقاطع بعضها الآخر ، ذكرتني الرواية  بمدينة  "أروما" في الشرق السوداني التي درست فيها المرحلة المتوسطة  فحجم المدينة متقارب و الشخوص والنشاط التجاري وسماحة الناس متشابهة .
دفعني الشغف لمعرفة المزيد عن المدينة عرب  فأستعنت " بـ قوقل " للتعرف عليها ، وجدتها تسكن خضرة خرافية بين ود مدني و المناقل أشبه بجلباب درويش معلق على سلك الغسيل أو كذلك خلتها حيث مثَّل الشارع الرئيسي عندي سلك الغسيل ، حاولت التعرف على المدرسة الثانوية خمنتها وجدت مكان الفرن أو المخبز و لكن أنتابتني الشكوك عندما حاولت التعرف على طاحونة  العم سلوكاب و بيت " زهرة طاشين " و أماكن أشجار المنقة الثلاثة .
يستحضرني هنا قول " لو لم يقرأ لينين لـ غوغول وديستوفيكي وتلستوى لما عرف روسيا بشكل أفضل " و بفضل رواية " أمي وحكايات المدينة عرب " نتعرف على جزء عزيز من أرض الجزيرة ونُكون عنها هذه الصورة و الأنطباع ، انطباع ربما يعطي لسكان "المدينة عرب" نفسها طعماً وأحساساً مغاير بعد قراءتهم لهذه الرواية .
أتمنى للشاعر والروائي محمد سيف الدولة  مزيد من التقدم  وأن نرى له عملاً بحجمِ هذ العمل أو أكثر جمالاً منه و أني لعلى ثقة تامة بامكانه أن يفعلهُ مرة أخرى ."
شكراً
                                                                       عبده كنتيباى
٢٠١٧/٩/١٦

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1