الرئيسية / الأخبار / الإذاعي علم الدين حامد: أغلقت برنامج “صالة العرض” بعد رحيل وردي

الإذاعي علم الدين حامد: أغلقت برنامج “صالة العرض” بعد رحيل وردي

#الذكرى_5_لرحيل_فنان_الشعب

قال لي إن وردي نصحه بأن لا يبكي أبداً أمام الآخرين، ولكنه بكى وسالت دموعه كثيراً وهو يتحدث عنه.
في حي الموردة بامدرمان العتيقة، وأمام مدخل بوابة عبدالقيوم، فتح الاعلامي القدير الأستاذ علم الدين حامد أبواب ذكرياته، لتنطلق حرة في ذكري رحيل الفنان محمد عثمان وردي الخامسة.
بدأ واضحاً في ملامح وجهه وتهدل صوته، تأثره بفاجعة الرحيل، ودموعه التي ظلت تملأ عينيه طوال وقت اللقا، اكدت مدى حزنه بفقد صديقة الراحل وردي، ورغم مرور السنوات الا أنه لايزال يرفض الاعتراف بموته لذلك يسميه رحيل وردي.
وعلم الدين_لمن لا يعرفه_هو ابن أقجة_احدي قري مناطق دنقلا..
ولد بها فى العام 1942م، وتلقي مراحله الدراسية الأولى بدنقلا، والثانوية بمصر، ثم جامعة أسيوط بمصر ايضاً.. والتحق بالإذاعة السودانية فى العام 1962م .

يعتبر  علم الدين من اكثر مقدمي البرامج الذين استضافوا الفنان وردي من خلال برنامجه "صالة العرض"، التي خرجت منها اغلب الاغنيات الوردية الخالدة.وفي  المقابل  حظي علم الدين بثقة وردي وتقديره، فترافقا معاً طوال فترة تواجد وردي بالبلاد، نلتقيه في هذه المسحة بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيل الفنان وردي في في محاولة منا لرؤية الفنان وردي من خلال عيون اصدقائه ومحبيه.
 نبوكين – تاتا عقيل
في البداية نتعرف عليك استاذ علم؟
بداية.. أنا سعيد حقيقة بهذا اللقاء، في زمن أصبحت السعادة نادرة في حياة الانسان، نفقد أعزاءنا  كل يوم واصبح الذهول يلازمنا.
فقد الأصدقاء شئ مؤلم ولا يمكن تعويضه، فما بالنا إن كان الفقيد شخصا في قامة وعظمة وردي.
عموما.. أنا علم الدين حامد من قرية اقجة/ دنقلا، أصبحت مذيعاً بالصدفة، اذ عدت من مصر، وانا أحلم بأن أكون ضابطا في الجيش أو الشرطة، لأنني عشت صباي في مصر إبان ثورة 52 ، وشعارات القومية العربية وحركات التحرر وناصر نكروما ونهرو،  تربيت في المدارس علي روح الثورة، وكنت أري صور الضباط الأحرار في الجرائد وأسمعهم في الاذاع، اتيت الى السودان وكل هدفي أن أصبح ضابطا مثل ناصر ولكن لم اوفق.
بعد التخرج كان لابد لي أن اعمل…السادة الادارسة في الموردة ارتبط بهم اهلنا المحس والدناقلة  بحكم العلاقات الممتدة بهم..ولدا عمي من المريدين.. تعرف السيد الحسن الادريسي عليّ وعلي اسرتي واشار علي للذهاب للاذاعة وقال لي :صوتك جميل، وكتب رسالة لمدير الاذاعة  انذاك الاستاذ التاج حمد وهو من اسرة تميل للادارسة.
ذهبت مع الخطاب للاستاذ / التاج حمد فقال لي: لو عاوز تشتغل موظف ممكن تتعين من اليوم (موظف في الحسابات أو العلاقات العامة) ولكن كمذيع يجب أن تخضع لاختبار وقد كان.  لجنة الاختبار  واسئلة عن الثقافة العامة، واختبار للاداء الصوتي.. بعد الفراغ من الاختبار سألني الاستاذ يس معني ان كنت درست بالخلوة فقلت: نعم.. خلوة سيدنا عبدالكريم في البلد باقجة.
فقال لي :ادائك  جيد.
بعدها تم تعييني كمذيع في الاذاعة السودانية، ومن حسن حظي تم ضمي لقسم البرامج، لانني لم أكن أعرف الكتير عن السودان، وقسم البرامج شامل لكل السودان من فنانيين وشعراء وادباء ومقرئين ورياضيين ومقدمي البرامج . رئيس القسم كان الاستاذ محمد خوجلي صالحين، ومعه ذوالنون بشري وعبدالرحمن احمد وخفاجة وعبدالوهاب احمد صالح وعلي الحسن مالك واخرون.
كان ذوالنون وعبدالرحمن من أولاد امدرمان، والتحقوا بالاذاعة قبلي بعام فتولوا امري وانا كنت جاهزاً.
ذو النون  شاعر وأديب عرفني بكل الفنانيين في امدرمان، عائشة الفلاتية وعتيق وابراهيم عوض وغيرهم، وبالموسيقيين امثال برعي وحمزة علاء الدين والشعراء.
بداية معرفتك بوردي هل كانت من خلال الاذاعة أم لأنكم من المنطقة النوبية؟
انا لا ادعي انني صديق شخصي ومقرب من وردي، بل أنا من ضمن الالاف الذين تعاملوا مع وردي من خلال عملهم بالاذاعة السودانية ولكن الصدفة جعلتني اقربهم اليه.
اما بداية معرفتي به كانت في اكتوبر 1959، حيث كنت قادماً من مصر للسودان، تحركنا من حلفا بالقطار وتصادف أن تعطل القطار في محطة من المحطات  في الصحراء- ما زال المنظر ماثلا امامي حتي الآن – ليل ورمال وبدر مكتمل، تمددنا علي الرمال، ومن علي البعد لمحت  ضوء لمبة كيروسين،  وصوت مذياع ينبعث من ذلك المكان ..صوت ساحر يغني في هذا السكون العجيب:
نسيت ضوء القمر في أجمل ليالي
وشعاع النجوم يبهر كاللآلي
اااه للابتسامة كالنغم الحنون
( أنا يعجبني هذا المقطع)، لا اعرف وردي ولا الغناء السوداني، فانا قادم من مصر ولكن ارتسم هذا المنظر والصوت في دواخلي (تأثر جداً وسالت دموعه وهو يستعيد هذه الذكريات) وصلت الخرطوم وذهبت لاقربائي في السجانة، وتصادف أن كانت لديهم مناسبة في اليوم التالي وهو يوم خميس،  في الليل اقيم حفل لهذه المناسبة، واتي فنان طويل يحمل عوده  وبدأ الغناء .. في الاغنية الثالثة بدأ يغني تلك الاغنية التي سمعتها قبل ليلتين في الصحراء.
هالتني الصدفة وذهبت لمصافحته، وقصصت عليه ما حدث لي في الفاصل، فامسك بالعود واعاد غنائها وهكذا بدأت العلاقة.
التحقت بالاذاعة، وذات يوم كنت في سوق السجانة ليلاً، ولم يكن في السوق كهرباء في ذلك الوقت، سمعنا ضجة كبيرة وعندما استفسرت، قالوا بأن الحكومة سمحت ببث اغاني وردي التي كانت ممنوعة باوامر حكومة عبود لرفضه اغراق حلفا، وتعرض للاعتقال في تلك الفترة وحظرت اغانيه من البث.
ومن الاشياء التي عمقت علاقتي بوردي صداقته باصدقائي نصر عبدالرحمن، وكامل عكاشة الذين كانوا يعملون كموظفين ببنك الشعب التعاوني فتوثقت علاقتنا اكثر.
ـ وماذا بعد التحاقك بالاذاعة؟
تعمقت علاقتي به بعد التحاقي بالاذاعة،  وأصبح برنامج صالة العرض من له شرف استضافة وردي الدائمة، واذكر أننا في ادارة البرامج كنا نستعد لبرامج العيد ونضع خارطة، وكان الجميع يعلمون من سيكون ضيف الصالة في الاعياد، وكان الاستاذ صلاح الدين الفاضل يعلق عندما يأتي الحديث عن صالة العرض:استغفر الله..اقلبوا الصفحة، كل مناسبة عيد حضرتها في السودان كان وردي هو ضيف صالة العرض.

أول تسجيل لبرنامج الصالة خارج استوديوهات الاذاعة كان في منزل وردي .وكل اغاني وردي بعد عام 1975 بالعود قدمها من خلال صالة العرض.
أول فنان يتم بث حفل عيد ميلاده مباشرة عندما كنت مديراً لاذاعة الخرطوم، نقلنا احتفال عيد ميلاد وردي علي الهواء من فندق بجوار نادي الضباط،  وأثار الأمر حفيظة بعض الفنانين.
واذكر أنني كنت أول مذيع يستضيفه فنان في فندق لتسجيل اغاني جديدة للاذاعة مثل "جميلة ومستحيلة" و"بناديها"، حيث كان وردي يقيم في فندق قصر الصداقة ببحري للاستجمام.
أول فنان يسجل اغنية خارج البلاد لتذاع عبر الاذاعة السودانية كان وردي، حيث تم تسجيل أغنية وطنا الباسمك كتبنا ورطنا من كلمات محجوب شريف، تم تسجيلها في فندق في جدة، وللاغنية  قصة ومناسبة، حيث كنت قد أديت مناسك الحج في ذلك العام، وسمعت أن وردي موجود بجدة، واستطعت الوصول الي الفندق الذي يقيم فيه.
وجدت وردي في صالون الحلاقة وعندما رآني رحب بي قائلا:الجابك شنو هنا؟ فاخبرته بالأمر فقال:خلاص انا عندي حفلة بعد بكرة وعاوزك تقدم البرنامج ..ثم نادي عصفور(عازف الاكورديون عبدالعزيز حسن محجوب) وكلفه أن يشتري لي بدلة من السوق وحددها بأن تكون زرقاء.
قدمت الحفل واستطعت أن أثير شجون وردي حين قلت: عندما غادر وردي انطفأت أنوار الخليل وكرومة وسرور والفلاتية، وخاصم النهر شاطئه في الريفيرا، وعشعش العنكبوت في الطريق الي نقابة الفنانين.. ايها الحضور الكريم امنحوا وردي تأشيرة العودة الي السودان.
هاج الحضور وكان وردي في الصف الأول وقفز الى المسرح (استخدم لفظ  تلب) وأخذ المايك وقال: يا علم مافي زول بيقدر يبعدني من السودان وانا ساعود قريبا.
وبالفعل عاد الي السودان بعد فترة قليلة، وقال لنا فيما بعد اثناء زيارة الي منزله : كلامك استفزاني.
 في فترة مايو تم اعتقال وردي ومنع بث أغنياته من خلال الاذاعة..انت  كنت مقربا من النميري بينما كان وردي ونميري في عداء..هل اثرت هذه المعادلة في علاقتك بوردي ؟
لم تتأثر علاقتي بوردي ولم يحدث أن اساء وردي لنميري في حضوري أبداً، عندما تم رفع الحظر عن اغانيه سبقه لقاءمع الاذاعة، انا من اجريت هذا اللقاء، وفي هذا اللقاء طلبت منه أن يغني أول غرام وهو التسجيل الوحيد المتداول، حيث لم يتجرأ أحد بعد ذلك أن يطلب من وردي أن يغنيها.
قبل أيام ..وأنا أقلب في مجلة قديمة وجدت لقاءاً مع وردي وهو يحكي عن مرحلة ما بعد اطلاق سراحه، وكيف التقي باحمد عبدالحليم ورتب لقاء بين وردي ونميري الذي بادره بالسؤال: انت بتكرهني ليه؟  ثم قال له : انا سمحت برفع الحظر عن اغانيك في الاذاعة، بس قبل داك لازم يتعمل معاك لقاء في الاذاعة ..انت اختار المذيع الحيعمل معاك حوار.. فاجاب وردي:عاوز علم الدين حامد. والله لم أكن أعلم ما حدث الا عندما قرأت حديث وردي في مجلة قديمة، رغم انني من أجريت الحوار.. وانا علاقتي بالنميري كان جيدة واحمل معزة خاصة له ومعجب به.

..ثم فاجئني بالسؤال:انتي بتحبي وردي؟
ـ نعم بالاخص اغانيه النوبية.
ذات مرة وردي قال لي: يا علم أنت عشان بتحبني ما بتسألني اسئلة زي باقي المذيعين..يعني ما بتستفزني أو تنتقدني. فقلت ليه  يستفزوك وينتقدوك في شنو؟ فيهم من يقول لك لونك ما كويس وشعرك ما سبيبي! وبينهم من يتهمك في أن مقابلك المادي كبير كما يقول البعض؟ هل ان اتاك من لا يملك مقدرة مالية  طالبا الغناء ستمتنع؟
فقال : بغني ليهو مجانا وذيع الكلام ده.
في لقاء لك وذو النون بشري وجهتم اتهاماً لوردي بأن صوته لم يعد قوياً وهو تحداكم وتغني باغاني صعبة؟

لا.. هذا لقاء جمع وردي وابراهيم عوض وعبدالرحمن الريح والطاهر ابراهيم.. ذهبت الي الكلاكلة بعربة الاذاعة، اخذت وردي من منزله  الي منزل ابراهيم عوض،  وبذات العربة جميعنا الى منزل عبدالرحمن الريح، ووجدته في بقالته يناول الفحم لاحد الزبائن، فنفض يده من اثر الفحم وجاء معنا. وهذا هو اللقاء الاشهر الذي جمع بين العملاقين وغني وردي اغنية "حبيبي جنني" وأيضا غني الاثنان سويا.
اشهر لقاء لك مع وردي؟
كان في منزله بالكلاكلة وضم اللقاء جوليا ومظفر، وكانت المرحومة علوية تجهز الشية والاكل قريبا منا أثناء اجراء اللقاء، وكان معنا أيضاً المرحوم حسن عبدالماجد.
 هنالك عدد كبير من الأغاني المسجلة لم تر النور ولم تجد حظها من الرواج، ماذا يقول استاذ علم وانت مذيع اقترن اسمك بوردي؟
حذرت وردي من هذا الأمر ، وفعلت ذلك مع صلاح مصطفي وعثمان حسين، مثلا اغنية مثل تاجوج لم تجد حظها من الرواج، وكنت اطالب وردي ان يغنيها في الحفلات العامة والخاصة.
وجهت نداء لعبدالوهاب لكي يفرغ اغاني وردي المسجلة من خلال صالة العرض حيث أن كثير منها لم يتم بثها.
 هل ما زلتم محتفظين بها؟
نعم..نعم ،  قبل فترة كنت عائدا من مدني وسمعت عبر اذاعة  اف ام في الحافلة التي استغلها تسجيلاً لوردي للاذاعة السودانية تبث !! من الذي سمح بتسريب هذه الاعمال النادرة من ارشيف الاذاعة؟
 استاذ علم انت كشاعر..
قاطعني ساخرا: انا ؟؟ من قال ذلك؟
 الا تكتب شعرا؟
كنت مداوماً في الاذاعة لوحدي في فترة الظهيرة، وكان شباك المكتب يطل علي الفضاء وحوش الخليفة، نظمت قصيدة وتركتها في درج المكتب، وجدها زملائي اليوم التالي واصبحت مثار تندر.
ولكن لدي نشيد باسم أنا السوداني لحنه برعي محمد دفع الله،  موجود في ارشيف الاذاعة بصوت العبيد الطيب، وحصلت خمسة جنيهات نظير هذا العمل.
 تعامل وردي مع العديد من الشعراء بعضهم مشهورون  واخرون كان وردي سبباً في شهرتهم ..هل لك ان تذكر امثلة ؟
تغني وردي لشعراء كثر قابلت أحدهم في الخليج قريباً، لا أذكر اسمه الان.. ومن الشعراء الذين تغني لهم  وردي الجيلي عبدالمنعم صاحب اغنية مرحبا يا شوق ( هذه اغنية كبيرة) كما تغني لشعراء مشهورين امثال اسماعيل حسن والحلنقي ومحجوب شريف.
لعلم الدين مقولة انه يعشق القراصة والبيبسي وجميلة ومستحيلة، لماذا جميلة ومستحيلة؟
كما قلت لك وردي كان في فندق قصر الصداقة مستجماً لوضع اللمسات الاخيرة لبعض الاغنيات والالحان..ذهبت اليه في معية الصديق نصر عبدالرحمن، فطلب مني البقاء في الفندق وسجلنا جميلة ومستحيلة بالعود، ولم يتم تسجيلها دفعة واحدة.. كان يسجل كوبليه واقوم ببثه عبر الصالة وبعد ذلك نسجل كوبليه أخر وهكذا، وجميلة ومستحيلة اغنية اي شخص يجد ذاته فيها.
 ما هي الاغنية التي تعجبك غير جميلة ومستحيلة ؟
في قسم البرامج اجرينا مسابقة، عبدالرحمن احمد  يستمع لسيد خليفة وذو النون من محبي شرحبيل والفلاتية، وانا معروف انني من عشاق وردي، سألنا المرحوم مأمون عبدالماجد عن أرق أغنية في مكتبة الاذاعة السودانية، فاختار كل واحد منا ما يعجبه، وانا اخترت اغنية يا سلام منك أنا آه، ولكن اجمعنا جميعنا أن أرق أغنية في الاذاعة هي اغنية قصة حب لوردي..وهي أيضاً من الأغاني التي لم يغنيها كثيراً في الحفلات، ولكن غناها من خلال الصالة.
ـ هل اجريت لقاءات مع وردي بعد العودة عام 2002؟
5 لقاءات علي الهواء.
اين كان اول لقاء بعد عودته؟
مجموعة دال هي التي نظمت عودة وردي،  واسامة داؤود أعد لحفلات (الكوكاكولا) باحدث الأجهزة واستقدم مسرحا من جنوب افريقيا، وطالبهم وردي أن يكون المذيع الذي يتولي تقديم الحفل هو علم الدين حامد،  فوجئت برسول من دال في المنزل، وطلب من اسامة داؤود لتقديم الحفلات، وقمت بذلك في الليالي التي اقيمت بمعرض الخرطوم.
وتحدثت في التقديم عن امدرمان، وذكرت الشخصيات الامدرمانية عبدالخالق محجوب والازهري وفاطمة احمد ابراهيم ومؤتمر الخريجيين،  وكان عبدالرحيم محمد حسين موجوداً وآثار الأمر بعض التوجس.
واقيم مهرجان أخر في استاد الهلال، وحضرت للاستاد كشخص عادي لحضور الحفل،  وكان منظمو الحفل لديهم مذيع لتقديم الحفل، فسألهم عبدالوهاب (وهو يشبه والده في طريقة حديثه) :مين ده؟ (يعني المذيع) فعندما أجابوه بأنه مذيع الحفل رد:لا لا.. نحن مذيعنا استاذ علم
وكان الامر محرجا بالنسبة لي، ولكن عبدالوهاب أصر وقال وردي لا يريد انصاف الحلول، وكان أن اضطررت لتقديم الحفل.فالقيت كلمة عن كل امدرمان واحيائها ورموزها .
 من ذكرياتك في الاذاعة مع وردي؟
كنت مذيعاً جديداً في الاذاعة فترة حكومة عبود، حيث تم افتتاح استادي الهلال والمريخ، عند افتتاح استاد الهلال اقيمت مباراة بين الموردة والمريخ، وعند افتتاح استاد المريخ اجريت مباراة بين الهلال والموردة.
عند افتتاح استاد المريخ اتي وردي الي المنزل وهو في طريقه للحفل، وكنت ما زلت عزابياً ومعي عبدالرحمن احمد وبصيري وذو النون واخرون، واصطحبنا الي الحفل، ثم عدنا الي المنزل حيث بات معنا ..وتخيل منظر أن يكون فنان عظيم كوردي في بيت عزابة وينوم في عنقريب أقصر منه.
استيقظ الصباح وهو يمزح:انتوا مرقديني في عنقريب اطفال؟.. جهزنا له شاي الصباح باللقيمات.
هذا هو وردي لم يكن متكبراً كما يظن البعض بل كان بسيطاً ومتواضعاً.
 ما هي تأثيرات الهجرة علي اغاني وردي؟ انت شهدت فترة الستينيات وما بعدها وفترة ما بعد العودة ..هل حدث تحول في أغاني وردي ؟
البدايات طبعا غلب عليها الطابع الرومانسي مع اسماعيل حسن..والشعب السوداني عندما يتغني وردي برومانسياته واغاني الغرام يعتبر أنه يغني له وحده  ويعبر عنه.. وكانت اغاني وردي العاطفية شفيفة وعذرية  تعبر عن الحب المستتر والخفي، ممكن نسميها فترة تنمية احساس ووجدان المواطن.
بداياته كانت هادئة مع اسماعيل حسن، التطور والنقلة حدث مع مواكبة وردي لمحيطه، فوردي شخص يعرف قيمة نفسه ومدي تأثيره وتأثير اغانيه، واعتقد أن زوجته علوية ساهمت أيضاً في هذا الأمر، ثم اتت فترة الحلنقي والشعراء الشباب عمر الدوش ومحجوب شريف، انفجر وردي وصعد الي قمته التي لم يغادرها ابداً. بالرغم من كل وهجه لم ينسي وردي اصحابه وكان مواصلا اصدقائه واهله ..وكان سببا في عداوة بعض الفنانيين معي وجفاء البعض الآخر.
وكانوا يعتبرون الصالة ملك خاص لوردي فكنت اقول لهم:الصالة لعرض الاغاني الجديدة وأنتم لا تجدوون.
مثلا الفنان عثمان حسين استضفته في البرنامج فادي اغاني قديمة بالعود، ولكنه بعد فترة قدم اغنية جديدة لمحمد يوسف موسي من خلال الصالة. وتباري الفنانون بعد ذلك للظهور عبر الصالة امثال محمد ميرغني ومصطفي سيداحمد.
 وردي هو فنان افريقيا ويمتلك اكبر مكتبة موسيقية في اثيوبيا..ماذا فعلنا نحن لوردي بعد رحيله؟
الشعب الاثيوبي يقدر وردي ويحبه، ونحن للأسف ما فاضيين لعمل كهذا.. لدي سوداني من قرايبي اتي من امريكا، واقترح عبر الصحف ان يسمي مطار الخرطوم باسم مطار وردي الدولي.
 وردي قام بتسجيل العديد من الاغاني النوبية ولكن لم تجد حظها من البث، ما السبب؟
هذه عدم دراية.. أنا وثقت العديد من الأغاني النوبية ولوردي وحسين لالا، ولكن للاسف الشعب النوبي رغم عراقته منسي، وانا أوجه سؤالي لكم.. ما دوركم في معالجة هذا الامر؟ لماذا لا نستخدم الوسائط المتاحة لنشر الاغاني والثقافة النوبية؟ الاذاعة والتلفزيون تساهم في نشر واشهار المطربين، ولكن الآن هنالك الكثير من الوسائل لتوصيل صوتنا.
ساهمت في اقامة اذاعة دنقلا حيث كنا في مناسبة لنقل احتفالات الاستقلال من دنقلا باجهزة حديثة، وبعد انتهاء الاحتفالات ذهبت لنميري وطلبت منه أن نستعين بالأجهزة لنواة لاذاعة دنقلا، فرفض الفكرة، وامر عزالدين السيد بالاشراف علي اعادة الأجهزة الي الخرطوم وقال لي: انا مواجه من اليسار واليمين والطلاب وكمان عاوز  يقولوا مشي عمل اذاعة لبلده؟
ولكن بعد عامين عدنا لدنقلا واعدت طرح الفكرة فقال لي: برضو أنت مصر؟ خلاص نعمل اذاعات ولائية من ضمنها دنقلا وقد كان.
 العودة والمرض؟
عندما مرض وردي كان صعباً علي أن أراه، وذهبت للمستشفي مجبراً واتت جوليا الي بين الحشود في المستشفي وبكت، وسالت دموعها علي قميصي، فبلغت غاية التأثر، وما زلت أحتفظ بالقميص وعليها دموع جوليا العزيزة لدي ..ومنذ تلك اللحظة لم أقابل جوليا ولم استطيع ان اعزيها في وردي.
 متي كان أخر لقاء بوردي؟.
اجريت معه اخر حوار في حديقته امام المنزل، وكان يوجد بها غزلان وكانت حديقة جميلة جداً.
في تأبين وردي كان شكر الله خلف الله – وهو من وضع البرنامج – ولم اكن من ضمن من سيلقون كلمة في تلك الليلة، ولكن اتاني من يقول أن أسرة وردي تطلب منك القاء كلمة،  فوافقت وقلت في كلمتي: نحن لم ندفن محمد وردي في مقابر فاروق، بل غرسناه  كاجمل شتلة تنبت وتزهر وتملأ الدنيا  خضرة وجمالاً.

ما رأي الاستاذ علم في احتفالات وردي الوطن؟ هل يليق ما يحدث بتاريخ وردي؟
التكريم سنة حميدة ولكن الملاحظ أننا لا نحتفي برموزنا لا في حياتهم ولا بعد رحيلهم بما يليق بهم.. هناك مبدعين في شتي المجالات رحلوا قبل وردي ولم نستن سنة التكريم اطلاقا.. لو كانت الفكرة موجودة كثقافة  سودانية لكفتنا عناء ما نحن فيه.. اين عثمان حسين وحسن عطية وكرومة والفلاتية وابراهيم عوض؟؟
لماذا لا يقام معهد عالمي لوردي في صواردة لتعليم الموسيقي؟
ما مقترح استاذ علم الدين لتكريم وردي؟
انا مثلاً اقترح تكريما يليق به..كلية وردي الموسيقية..معهد وردي الدولي للموسيقي..جامعة وردي للاداب والفنون ..خلونا نبدأ والفكرة حتكبر، الاهرامات بدأت هنا صغيرة وكبرت في مصر.
مسابقة سنوية  لوردي في مجال الموسيقي والغناء .
ماذا تقول عن وردي؟
وردي يحب عمله جداً ويتقنه ويحترم ذاته، انيق في روحه وملبسه..انظر الي الفرقة الموسيقية وانتظامها وأناقة افرادها وتهذيهم وادبهم،  ويعلمون انهم يعزفون خلف فنان محترم.
وردي لم يكن يعمل عملاً غير متقن.. ياريت تكريم وردي بقدر اخلاصه لعمله وفنه.
تأثير رحيل وردي علي علم الاعلامي المقرب من وردي والصديق؟
اجاب بحسرة:خلاص مات.
انا خلاص قفلت صالة العرض.
قلت لمصطفي سيداحمد:أنت بحبك عن طريق اخرين..عن طريق وردي لانك شخص وفنان ومحترم وتحترم فنك، ووردي يقدر فيك هذه المزايا، طوال الخمس سنوات لا يزال فقده عميقاً، ولا تزال المساحة التي تركها وردي الفنان  والصديق والمواطن السوداني العظيم شاغرة. ولكن من نعم  الله أن الشعب السوداني شعب عظيم ويرضي بالقدر.
انا في ذكري رحيله لا أستطيع أن أجمع نفسي ..المصائب التي تعرضت له خلال الخمس سنوات، أنا علي يقين لو وردي كان حياً لكان وقعها  اخف وأسهل..لانه كان الصديق الذي تلجأ اليه للحديث اليه..تحكي له ويسمعك أو يشعر بك دون ان تتكلم.
من نصائح وردي لي أنا شخصياً أن لا أكون ضعيفا كان يقول لي: لاتظهر لهم ضعفك أو انهيارك.. أظهر شجاعتك لو واجهتك أي مشكلة.. وبعد ذلك عندما تكن لوحدك أبكي أو افعل ما تريد، للاسف منذ رحيله لا أجد من ينصحني كما كان يفعل.. لا احد يسندنا في زمن اصبح فيه الانهيار عادة يومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

UA-74845721-1