الرئيسية / المقالات والتحليلات / إختر مكانك وإحترق حيث إنتهيت

إختر مكانك وإحترق حيث إنتهيت

حلقت بنا طائرة الأنتنوف الصغيرة فوق مخيم النازحين.. دار الطيار دورتين فوق المكان قبل أن يبدأ في الهبوط مثيراً عاصفة من الرمال.. استقبلنا هواء ساخن وشمس الظهيرة الحارقة.. امتدت الرمال الصفراء وبضع شجيرات يابسات على مد البصر.. ساد بيننا صمت قوي الحضور ونحن نتجه صوب المخيم .. لا شيء يقال وتفاصيل اللوحة تعصف بألف لغة.. سرح كل منا بخياله عائدا لمخيمات أخرى.. في بلدان بعيدة أو قريبة.. تختلف أسبابها واحجامها وأشكالها ويجمعها الوجع والبؤس وقلة الحيلة.. تقف خلف أسباب وجودها ذات الوجوه المكتنزة والأفواه التي تمضغ وتتكلم وتقهقه وهي ترمي في وجوهنا الحجج والبراهين وتبصق على جراح ساكني الخيم..

تراصت بيوت الصفيح والخيش وأكياس البلاستيك كيفما اتفق تسندها أعواد يابسة لا تقل يباساً عن أعواد قاطنيها.. وعلى مسافة قريبة .. سورت حفر المراحيض بأكياس أخري لا تكاد تستر عورة من بداخلها.. ترك صغار كورة قماش مهترئ كانوا يتقاذفونها واستلقوا في ظل البيوت منهكين بالحر والجوع .. معظمهم عاري الصدر ..تستر اقمشة قديمة ما بين سرته والركبة.. وقفت النسوة والفتيات وبعض الفتية في صف طويل أمام مضخة الماء.. بجوار كل منهم جركانة صفراء بهت لونها وتعلقت بها طحالب خضراء يابسة تشكي العطش..

أحنيت رأسي لأدخل من الباب الصغير الي العيادة ومركز التغذية العلاجية.. قال الطبيب أن متوسط عدد المرضى يزيد قليلا عن مائة مريض في اليوم.. جميعهم أطفال ونساء.. امتلأت الأسرة بالأطفال تحت سن الخامسة.. مصابين يسوء التغذية الحاد وأمراض الجهاز التنفسي وغيرها من الأمراض التي تلقب بالإنتهازية.. أعتقد أن بعض هذه الأمراض حانق علينا ونحن نستعير التسمية منا ونسقطها عليهم.. وقفنا مع الطبيب حول أحد الأسرة.. صغيران برزت عظامهما وتسارعت دقات القلب والتنفس.. وجلست هي بينهما.. تنظر الينا بعينين تحجر فيهما كل شيء.. لا دموع ولا سؤال ولا رجاء.. لا شيء سوي فراغ يائس .. غطت فمها بيد هزيلة ترتعش ارهاقا وسهراً وقلة حيلة.. أدخلت يدي في جيبي خجلا من يديها.. اخفضت بصري متوارية من نظرة عينيها.. وأكملنا طريقنا .. من سرير لآخر تتشابه النظرات وتذوب قلوب الأمهات بين صغير استرد بعض صحته وراح يبكي ويصرخ ألماً وبين آخر استسلم للوهن.. أخبرنا الطبيب أن حصص المواد الغذائية التي توزع لا تكفي وبعضها لا يراعي احتياجات الصغار.. والحال ذات الحال وقد مرت سنوات على النزوح..

قبل أن نغادر بقليل .. غادر أحد طفليها هذا العالم البائس.. مغلقا قبضته الصغيرة وكأنه يحتفظ فيها بسنوات عمر لم نمهله ليعيشه وأحلام ربما تراءت له ببيت ومدرسة ووطن.. فحصه الطبيب ثم لف الجسد الصغير بقماش .. مدت يديها واخذته بذات الصمت والعينين اللتين تحجر فيهما كل شيء.. لاأدري إن كانت سمعت كلمات المواساة التي لا تسوى الحروف التي حملتها أم لا.. استعاذت بصمتها وتعلقت عيناها بالصغير الحي..

تذكرت بعض الغرف الواسعة ذات الأثاث الجميل والتكييف .. تذكرت المنابر والمساجد والكنائس ..حفلات الأعراس وصيوانات العزاء التي تجمعنا.. تلك النقاشات المطولة عن رؤية كل منا.. عن كل مجموعة وحزب وجماعة وتحليلهم لما يحدث واقتراحاتهم وخططهم واستراتيجياتهم لكيفية الخروج بالبلاد مما هي فيه الى فضاءات أرحب.. اختلافاتنا ونقاط اتفاقنا.. مصافحة الأيدي واللعنات التي نرسلها تتبعها التهم بالتخوين والتكفير والانتهازية.. تذكرت ثقتنا وشكنا.. حبنا حد التعصب وكرهنا حد القتل.. لكل منا تاريخ ومدارس فكرية ننتمي إليها.. لكل منا حظ في مقاعد دراسة وسطور بين دفتي كتاب.. لكل منا مبادئ وقناعات والتزام .. لكل منا أحلام مدفوعة بحب هذا التراب ومشروعة بمعاناة من هم حولنا.. تضيق دوائر وعينا وتتسع اتساقا مع الصورة الكبيرة للمعاناة والتفاصيل الصغيرة.. إلا أن العيون التي تحجر في مآقيها الدمع والأجساد التي وريت الثرى لا يعنيها أيا منا..

حلقت بنا الطائرة بعد عدة أيام فوق المخيم مرة أخري.. كل شيء هنا يبدو بعيدا جداً عن اعتبارات الساسة والسياسة وقريب جدا منها.. أحزابكم هنا سادتي.. أجندتكم هنا.. أولوياتكم هنا: ماء وخبز ودواء.. بيت ومدرسة ووطن .. يختبركم ولاؤكم ودينكم هنا.. هنا المسجد والمنبر والكنيسة.. هنا الوطن المسلوب والمطعون والمحروق والجائع.. هنا الله.. (الله في نار الدموع وفي صفوف الخبز والأسواق والعربات والغرف الدمار)..

*العنوان و الجزء الاخير من قصيدة الصادق الرضي غناء العزلة ضد العزلة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
UA-74845721-1